![]() |
| غرق مركب قبالة سواحل تونس |
كشفت تقارير صحفية إيطالية، في تحديثات عاجلة لها، عن واحدة من أبشع وأضخم كوارث الهجرة غير النظامية التي شهدها حوض البحر الأبيض المتوسط في العقد الأخير.
وأوضحت التقارير أن عاصفة "هاري" المدارية، التي ضربت المنطقة بعنف، تسببت في غرق عشرات القوارب المتهالكة التي انطلقت من السواحل التونسية خلال شهر يناير الماضي.
وأكدت المصادر أن هذه الفاجعة أدت إلى مصرع وفقدان مئات المهاجرين في ظروف إنسانية وصفت بأنها مأساوية وقاسية إلى أبعد الحدود.
الحقيقة أن هذه الكارثة تسلط الضوء مجدداً على "طريق الموت" الذي يسلكه الآلاف بحثاً عن حلم أوروبي يتحول في كثير من الأحيان إلى كابوس تحت أمواج المتوسط الهائجة.
"لا ريبوبليكا" تفجر المفاجأة.. غرق 27 قارباً من أصل 29 انطلقت من تونس
في تقرير مفصل نشرته صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية الواسعة الانتشار، أشارت الصحيفة إلى أن الكارثة بلغت ذروتها عندما تعرض ما لا يقل عن 27 قارباً للغرق والتحطم من أصل 29 قارباً كانت قد أبحرت من السواحل التونسية في وقت متزامن.
وكشفت الصحيفة أن هذه الحادثة تعد واحدة من أكبر الحوادث الدموية المسجلة في تاريخ المتوسط الحديث. ولفتت المصادر الإعلامية إلى أن القوارب لم تكن مجهزة بأي وسائل للاتصال أو الاستغاثة، مما جعل مهمة رصدها في عرض البحر مستحيلة تماماً وسط الرياح العاتية، وهو ما يفسر حجم الخسائر البشرية الهائل الذي تم تسجيله فور انتهاء العاصفة.
أرقام مرعبة تحت الأمواج.. وعدد الضحايا قد يتجاوز 1000 غريق
وفقاً لتقديرات أولية صدرت عن خفر السواحل الإيطالي، أوضح المسؤولون أن ثمانية قوارب على الأقل لم تصل إلى وجهتها المقررة، وكان على متنها نحو 380 مهاجراً، يُعتقد بشكل شبه مؤكد أنهم لقوا حتفهم غرقاً.
في المقابل، صرحت منظمات غير حكومية دولية بتقديرات أكثر قتامة، حيث رجحت أن يكون عدد الضحايا الحقيقي قد تجاوز حاجز الألف مهاجر.
وأكدت تلك المنظمات وجود عشرات القوارب التي اختفت تماماً دون ترك أي أثر، مما يرجح فرضية تحطمها في المياه العميقة بعيداً عن ممرات الملاحة التقليدية، وهو ما يجعل الأرقام المعلنة قابلة للارتفاع بشكل مخيف خلال الأيام القادمة.
توابيت الموت العائمة.. شهادات اللاجئين تؤكد تهالك القوارب وغياب الأمان
نقلت الصحافة الإيطالية شهادات صادمة لعدد من اللاجئين والمهاجرين في ليبيا، حيث أشاروا إلى أن القوارب التي أبحرت من صفاقس والمدن التونسية كانت في حالة فنية يرثى لها.
وكشف الناجون أن تلك الوسائل وُصفت بأنها «توابيت عائمة»، نظراً لتهالك أخشابها وافتقارها لأدنى معايير السلامة البحرية.
وأوضح أحد الشهود أن المهربين كانوا يجبرون المهاجرين على الركوب رغم التحذيرات من سوء الأحوال الجوية.
وشددت الشهادات على أن قاربين فقط هما من نجيا من هذا المصير الأسود؛ حيث تمكن أحدهما من الوصول إلى جزيرة لامبيدوزا، بينما اضطر الآخر للعودة أدراجه إلى البر التونسي تحت وطأة الخوف والموت المحدق.
إعصار "هاري" المدمر.. وكشف خبراء الأرصاد عن أمواج بلغ ارتفاعها 16 متراً
ضربت عاصفة «هاري» البحر المتوسط في الفترة ما بين 19 إلى 21 يناير، وهي الفترة التي وصفت بأنها الأكثر دموية.
وأكد خبراء الأرصاد الجوية أن العاصفة كانت مصحوبة برياح شديدة السرعة وأمواج عاتية بلغ ارتفاعها في بعض المناطق نحو 16 متراً.
وأوضح المحللون العسكريون أن فرص النجاة في مثل هذه الظروف تكاد تكون معدومة، خاصة مع ضعف تجهيزات القوارب المطاطية والخشيبة الصغيرة التي تُستخدم في عمليات الهجرة غير الشرعية.
وأن الأمواج العاتية كانت تبتلع القوارب في ثوانٍ معدودة، مما لم يترك أي فرصة للمهاجرين لارتداء سترات النجاة أو حتى إطلاق نداء استغاثة واحد.
"مجزرة في البحر".. وسبب تفاقم أعداد الوفيات
من جانبها، وصفت منظمة «ميديتيرانيا» غير الحكومية ما جرى بأنه «مجزرة في عرض البحر»، وهي عبارة تعكس حجم الغضب والأسى تجاه هذه المأساة.
وأكدت المنظمة في بيان رسمي أن الكارثة تُعد وصمة عار في جبين الإنسانية، وأكبر مأساة على طرق الهجرة في السنوات الأخيرة.
كما لفتت الناشطة لورا مارمورال، من منظمة «إنقاذ البشر»، إلى أن ملامح الكارثة الكبرى تتكشف الآن ببطء وسط صمت رسمي مريب من حكومتي إيطاليا ومالطا.
وأوضحت لورا أن غياب التنسيق الفعلي لاحتواء الأزمة ساهم بشكل مباشر في تفاقم أعداد الوفيات، مطالبة بفتح تحقيقات دولية شفافة حول التقاعس في عمليات الإنقاذ.
صرخة "رمضان كونتي".. الناجي الوحيد الذي فقد عائلته بالكامل في البحر
في واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيراً، روى الشاب رمضان كونتي، المنحدر من سيراليون وأحد الناجين القلائل، تفاصيل الفاجعة التي حلت بعائلته.
أوضح رمضان أنه كان على متن قارب صغير انطلق من مدينة صفاقس التونسية، وكان يقل 48 شخصاً.
وكشف بمرارة أن شقيقه وزوجة شقيقه وابن أخيه الصغير كانوا برفقته، مؤكداً أن جميعهم لقوا حتفهم غرقاً أمام عينيه دون أن يتمكن من فعل شيء.
وصرح رمضان بأن صرخات الأطفال والنساء وسط عاصفة "هاري" ستبقى تطارده في أحلامه للأبد، واصفاً الرحلة بأنها كانت رحلة ذهاب بلا عودة نحو المجهول والموت الجماعي.
طريق وسط المتوسط.. أخطر مسارات الهجرة في العالم
يُعد طريق وسط البحر المتوسط، الممتد بين ليبيا وتونس وإيطاليا، أخطر مسارات الهجرة في العالم بلا منازع.
وأشارت بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن عام 2025 شهد وفاة 1878 شخصاً في المتوسط، من بينهم 1314 مهاجراً سقطوا في طريق الوسط وحده.
وأوضح الخبراء أن أغلب هذه الوفيات يتم تسجيلها قبالة السواحل الليبية والتونسية بسبب استخدام قوارب غير صالحة للملاحة.
وشددت المنظمة على أن الأرقام الحقيقية قد تكون أضعاف ما يتم رصده رسمياً، نظراً لوجود ما يُعرف بـ "الغرق الصامت" حيث تختفي قوارب كاملة بالركاب دون أن يتم الإبلاغ عنها من أي جهة.
تحذيرات من كوارث قادمة.. والأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للمأساة
في سياق متصل، حذرت منصة «هاتف الإنذار»، المعنية بتلقي استغاثات المهاجرين، من أن الأسوأ قد لم يأتِ بعد.
وأوضحت المنصة أن الأرقام المعلنة حالياً لا تعكس الحجم الحقيقي للمأساة التي تسببت فيها عاصفة "هاري".
واوضحت عن تلقيها نداءات من عائلات لم يجدوا أي أخبار عن ذويهم الذين أبحروا في تلك الفترة وأكدت المنصة أن هناك عدداً كبيراً من القوارب المفقودة التي لم يتم العثور على حطامها أو أي من ركابها حتى اللحظة.
وشددت على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وتفعيل ممرات آمنة للهجرة للحد من هذه المآسي المتكررة التي تحول البحر المتوسط إلى "مقبرة جماعية" للأبرياء.
الصمت الرسمي والمسؤولية الأخلاقية.. وغياب التنسيق الأوروبي
الحقيقة أن هذه الكارثة وضعت الاتحاد الأوروبي في مأزق أخلاقي كبير وأوضح محللون سياسيون أن سياسات تضييق الخناق على سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية ساهمت في ارتفاع أعداد الضحايا ولفت الخبراء إلى أن غياب "آلية إنقاذ أوروبية موحدة" تجعل المهاجرين تحت رحمة العواصف والمغامرات الخطيرة للمهربين.
وأكدت التقارير أن الضغط على دول الشمال الإفريقي مثل تونس وليبيا للعب دور "حارس الحدود" لن يحل الأزمة طالما بقيت الأسباب الجذرية للهجرة قائمة، وطالما بقي البحر المتوسط ساحة للموت الصامت بعيداً عن أعين الكاميرات وتحت وطأة العواصف المدمرة.
هل يستفيق العالم بعد فاجعة عاصفة "هاري"؟
تبقى فاجعة غرق 27 قارباً وصمة سوداء في سجل التاريخ الحديث للهجرة وأكد الحقوقيون أن دماء المئات الذين ابتلعتهم الأمواج قبالة تونس وإيطاليا يجب أن تكون دافعاً لتغيير السياسات الأمنية العقيمة.
وأوضح الخبراء أن الحل يبدأ من تعزيز التعاون الدولي الحقيقي، وليس مجرد إحصاء الجثث على الشواطئ.
الحقيقة أن "عاصفة هاري" قد انجلت، لكن العواصف الإنسانية والسياسية التي خلفتها ستبقى عاتية، لتذكر العالم في كل مرة أن خلف كل رقم في كشوف المفقودين قصة إنسان كان يحلم بحياة كريمة، فانتهى به الأمر في "تابوت عائم" وسط بحر لا يرحم.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”