![]() |
| وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي |
تتجه أنظار العواصم الكبرى والمحللين السياسيين حول العالم صوب سويسرا، حيث انطلقت جولة جديدة وحاسمة من المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة هي الأصعب لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر.
وأكد مراقبون أن هذه الجولة تأتي وسط أجواء مشحونة للغاية، يختلط فيها ضجيج التصريحات العسكرية النارية بهدوء القاعات الدبلوماسية في جنيف.
وأشار المحللون إلى أن التوقيت يضع ضغوطاً هائلة على كافة الأطراف، خاصة مع رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في إغلاق هذا الملف المعقد بشروط "اتفاق أفضل" يضمن تحجيم النفوذ الإيراني بشكل دائم، بينما تسعى طهران لانتزاع اعتراف دولي بحقها في التكنولوجيا النووية مع رفع كامل لـ العقوبات الاقتصادية التي خنقت أسواقها لسنوات طويلة، مما يجعل من جنيف ساحة لمبارزة سياسية كبرى لا تقبل أنصاف الحلول.
تحركات مكثفة لكوشنر وويتكوف في مواجهة "عراقجي"
أوضح التقرير الدبلوماسي أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، توجه إلى جنيف على رأس وفد رفيع المستوى يضم خبراء فنيين وقانونيين للمشاركة في الجولة الثانية من هذه المباحثات الماراثونية.
وأشار التقرير إلى أن الجانب الأمريكي دفع بـ "الخيل الرابحة" في إدارة ترامب، حيث يتصدر المشهد المبعوثان الخاصان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذان يمتلكان خبرة واسعة في إدارة الصفقات الكبرى والمعقدة.
وأكدت المصادر أن وجود كوشنر تحديداً يعكس رغبة ترامب في الوصول إلى "صفقة القرن النووية" التي تنهي هذا الصداع المزمن.
وكشف المتابعون أن هذه الجولة بدأت بعد ساعات قليلة من تهديدات مبطنة أطلقها الرئيس ترامب باللجوء إلى القوة العسكرية إذا فشلت الدبلوماسية، وهو ما رد عليه رئيس الأركان الإيراني عبد الرحيم موسوي بتحذير شديد اللهجة، ما خلق حالة من التصعيد المتزامن مع محاولات التهدئة، في استراتيجية "حافة الهاوية" التي يتقنها الطرفان.
الوساطة العُمانية.. قناة الاتصال الوحيدة في غرف جنيف المغلقة
أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية رسمياً أن اللقاءات الحالية في سويسرا تُعقد بشكل غير مباشر، وذلك بوساطة فاعلة ومستمرة من سلطنة عُمان، التي طالما لعبت دور "رجل الإطفاء" في الأزمات الإقليمية.
وأشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى أن المساعي العُمانية تتركز حالياً على تقريب وجهات النظر في النقاط الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها "الضمانات" التي تطلبها طهران لعدم انسحاب أي إدارة أمريكية مستقبلية من الاتفاق كما حدث في 2018.
وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، مجيد تخت روانجي، أن طهران أبدت استعداداً كاملاً لمناقشة كافة جوانب البرنامج النووي بشرط "الرفع الفوري والشامل" لـ العقوبات الاقتصادية.
وشدد روانجي في تصريحاته على أن «الكرة الآن في الملعب الأمريكي»، مطالباً إدارة ترامب بإثبات جديتها من خلال أفعال ملموسة على الأرض لا مجرد وعود شفهية، معتبراً أن نجاح مفاوضات جنيف يعتمد كلياً على الإرادة السياسية في واشنطن.
معضلة تخصيب اليورانيوم ومطلب "صفر تخصيب" المستحيل
أوضح مجيد تخت روانجي أن الحديث عن إخراج مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، أو العودة إلى بنود اتفاق 2015 "الميت إكلينيكياً"، لا يزال أمراً مبكراً جداً في هذه المرحلة من التفاوض.
وأكد المسؤول الإيراني بلهجة حاسمة أن مطلب «صفر تخصيب» الذي تلوح به بعض الدوائر في واشنطن هو أمر غير مطروح للنقاش نهائياً من وجهة نظر طهران، التي تعتبر التخصيب السلمي حقاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه.
وأشار الخبراء الفنيون إلى أن الفجوة لا تزال واسعة بين إصرار أمريكا على تدمير أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وبين تمسك إيران بالاحتفاظ بـ مكتسباتها العلمية والتقنية التي حققتها في السنوات الأخيرة.
وشدد الجانب الإيراني على أن أي اتفاق جديد يجب أن يلحظ التطورات التقنية التي طرأت على برنامجهم، وهو ما يمثل العقدة الأكبر أمام كوشنر وفريقه في محاولتهم لترويض الطموح النووي الإيراني دون اللجوء لخيار المواجهة العسكرية الشاملة.
الطائرات والنفط.. حوافز اقتصادية على طاولة المفاوضات
في سياق متصل، أشار نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، حميد قنبري، إلى أن بلاده لا تسعى لاتفاق أمني فحسب، بل تبحث عن اتفاق يحقق "مكاسب اقتصادية متبادلة" تلمس حياة المواطن الإيراني.
وكشف قنبري عن إمكانية بحث ملفات كبرى خلال الجلسات المغلقة، مثل تسهيل صادرات النفط والغاز الإيرانية، وجذب استثمارات أمريكية ودولية مشتركة في قطاع الطاقة، وحتى ملف شراء الطائرات المدنية لتحديث الأسطول الجوي الإيراني المتهالك.
وأكد المسؤول الإيراني أن استدامة أي اتفاق سياسي تتطلب بالضرورة وجود "شبكة مصالح اقتصادية" تجعل التراجع عنه مكلفاً لجميع الأطراف.
وأشار المحللون الاقتصاديون إلى أن هذا الطرح الإيراني يهدف لإغراء إدارة ترامب، المعروفة بـ عقليتها التجارية، للدخول في صفقات كبرى مقابل تقديم تنازلات نووية فنية، وهو ما قد يمثل "المفتاح الذهبي" لنجاح مفاوضات سويسرا إذا ما تم التوافق على التفاصيل المالية المعقدة.
واشنطن بين المطرقة الدبلوماسية وسندان التصعيد العسكري
من الجانب الأمريكي، شدد وزير الخارجية، ماركو روبيو، على أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تزال تفضل المسار الدبلوماسي كخيار أول وأساسي لحل الأزمة.
وأشار روبيو، خلال تصريحات صحفية مشتركة مع رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيجو، إلى أن الملف الإيراني "شديد التعقيد" ويتداخل فيه الجانب النووي مع ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
وأكد روبيو استمرار السعي لإبرام اتفاق يحقق الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط ويضمن عدم امتلاك إيران لـ سلاح نووي تحت أي ظرف.
وأوضح المتابعون أن واشنطن تمارس حالياً سياسة "العصا والجزرة"؛ حيث يلوح ترامب بـ القوة العسكرية لترهيب الجانب الإيراني، بينما يقدم كوشنر وفريقه "الجزرة الاقتصادية والسياسية" على طاولة المفاوضات في جنيف.
وأكدت المصادر أن نتائج هذه الجولة ستحدد ملامح الصراع في المنطقة للسنوات الأربعة القادمة، فإما اتفاق تاريخي يغير خارطة التحالفات، أو انفجار للأوضاع قد يجر المنطقة برمتها إلى حرب إقليمية واسعة النطاق.
هل تخرج سويسرا باتفاق تاريخي؟
اختتم المحللون السياسيون بتأكيدهم على أن جولة جنيف الحالية هي اختبار حقيقي لقدرة "دبلوماسية الصفقات" التي ينتهجها ترامب على حل الأزمات المستعصية.
وأشار الخبراء إلى أن نجاح كوشنر في ترويض الطموح الإيراني يعتمد على مدى استعداده لتقديم تنازلات في ملف العقوبات مقابل تنازلات إيرانية مؤلمة في ملف التخصيب.
وأوضح البيان أن الأيام القادمة ستشهد سباقاً مع الزمن، حيث تسعى الوساطة العُمانية لتثبيت نقاط التوافق الأولية قبل مغادرة الوفود لـ جنيف.
وشدد المتابعون على أن أي "دخان أبيض" يخرج من مبنى المفاوضات في سويسرا سيكون بمثابة انتصار سياسي ضخم لـ ترامب في بداية ولايته الثانية، بينما تظل طهران تراقب بحذر، مدركة أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون محصناً ضد التقلبات السياسية في واشنطن لضمان استمراريته وتحقيقه لـ المكاسب الاقتصادية الموعودة للشعب الإيراني الذي يترقب نتائج هذه الجولة بصبر نافد.

0 تعليقات