في التاسع من فبراير عام 1996، انطفأت شمعة فنية لا تعوض برحيل الفنان القدير عادل أدهم، ليفقد الفن العربي واحداً من أذكى وأرقى الممثلين الذين مروا على تاريخ الشاشة الفضية.
وأكد النقاد الفنيون أن رحيل "البرنس" ترك فراغاً درامياً هائلاً لم يستطع أحد ملأه حتى يومنا هذا، حيث لم يكن عادل أدهم مجرد ممثل يقدم أدوار الشر التقليدية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في فن الأداء الحركي والصوتي.
وأشار المتابعون لتاريخ السينما المصرية إلى أن أدهم استطاع بعبقرية فذة أن يمنح شخصية "الشرير" كاريزما وهيبة خاصة، جعلت الجمهور يقع في حب الممثل رغم قسوة الشخصيات التي يؤديها، محطماً بذلك القواعد التقليدية للسينما التي كانت تحصر الشرير في ملامح منفرة، ليقدم لنا "شراً شيك" ينم عن ثقافة فنية واسعة وفهم عميق لـ النفس البشرية.
صدفة أنور وجدي التي غيرت مجرى حياته
ولد عادل أدهم في حي الجمرك العريق بمدينة الإسكندرية في 8 مارس 1928، وكانت طفولته وشبابه بعيدين تماماً عن أضواء القاهرة، حيث نشأ في بيئة سكندرية منفتحة.
وأوضح المؤرخون الفنيون أن بدايته مع الفن كانت مليئة بالتحديات والصدمات النفسية؛ فحينما حاول دخول عالم التمثيل في مقتبل شبابه، توجه إلى مكتب الفنان والمنتج الكبير أنور وجدي، لكنه واجه صدمة قوية حين قال له وجدي صراحة وبقسوة: "أنت لا تصلح للتمثيل إلا أمام المرآة فقط، وجهك لا يحبه الجمهور".
وأشار المقربون من أدهم إلى أن هذه الكلمات كانت كفيلة بأن تجعله يبتعد عن حلمه الفني مؤقتاً، حيث قرر إثبات ذاته في مجالات أخرى، فاتجه لممارسة رياضة الجمباز والملاكمة والمصارعة التي منحت جسده تلك الليونة والرشاقة المميزة، ثم احترف تجارة القطن وأصبح بمرور الوقت من كبار الخبراء والمصدرين في بورصة القطن بـ الإسكندرية، محققاً نجاحاً مادياً باهراً بعيداً عن بلاتوهات التصوير.
التاجر الذي طرده أنور وجدي من مكتبه ليصبح برنس السينما المصرية
رغم نجاحه في عالم التجارة، إلا أن "نداهة الفن" لم تترك عادل أدهم يهنأ بحياته المستقرة كتاجر مرموق.
وأشار الباحثون في سيرته الذاتية إلى أن نقطة التحول الكبرى جاءت بعد قرارات التأميم في الستينيات، والتي طالت تجارته الكبيرة، مما دفعه للعودة مرة أخرى للبحث عن حلمه القديم الذي وأده أنور وجدي سنوات طويلة.
وكشف المقربون منه أن الانطلاقة الحقيقية جاءت في عام 1964 على يد المخرج أحمد ضياء الدين، الذي غامر بمنحه دوراً في فيلم «هل أنا مجنونة؟»، لتكتشف السينما في تلك اللحظة وجهاً جديداً يمتلك نبرة صوت رخيمة ومميزة، وحركات جسد مسرحية سينمائية لا يشبه فيها أحداً.
وأوضح النقاد أن أدهم دخل السينما وهو في سن النضج، مما جعله يقدم أدواراً مركبة منذ البداية، متجاوزاً مرحلة أدوار الفتى الأول التقليدي، ليصنع لنفسه مساراً منفرداً وضعه في مصاف النجوم الكبار بسرعة الصاروخ.
فلسفة الشر عند عادل أدهم.. لغة العيون والابتسامة الساخرة
ما ميز عادل أدهم عن غيره من "أشرار السينما المصرية" مثل محمود المليجي أو زكي رستم، هو قدرته الفائقة على تقديم "الشر المركب" الممزوج بالسخرية والأناقة.
وأكد المخرجون الذين عملوا معه أنه لم يكن يعتمد على الملامح الجامدة أو الصراخ، بل كان يستخدم "لغة العيون" الحادة والابتسامة الساخرة التي تسبق الفعل الإجرامي.
وأشار النقاد إلى تفوقه المذهل في تجسيد شخصية "الأفاق" في رائعة نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل»، حيث قدم دوراً لا ينسى، وكذلك المعلم القاسي الذي يمتلك فلسفته الخاصة في فيلم «الشيطان يعظ»، والمسؤول الفاسد المتلون في «طائر الليل الحزين».
وأوضح المتابعون أن أدهم كان يمتلك قدرة غريبة على جعل المشاهد يكره أفعال الشخصية الدرامية، لكنه في الوقت ذاته يفتتن بـ جماليات الأداء وسحر الممثل الخاص، مما جعله "برنساً" حتى وهو يجسد أقسى الشخصيات إجراماً.
أسرار لقب "البرنس" وأناقة الحياة الخاصة
لم يأتِ لقب "البرنس" لـ عادل أدهم من فراغ أو مجرد مجاملة فنية، بل كان تجسيداً لـ أسلوب حياته الخاص.
وأكد أصدقاؤه من داخل الوسط الفني وخارجه أنه كان في حياته الخاصة شديد الأناقة، يختار ملابسه بعناية فائقة، وكان هادئ الطباع، مثقفاً يتحدث عدة لغات بطلاقة، ويمتلك مكتبة ضخمة تضم أمهات الكتب.
وأشار المقربون منه إلى أنه كان يرفض الظهور في البرامج التليفزيونية مقابل المال، وكان يعتز بـ كرامته الفنية والشخصية إلى أقصى حد.
وأوضح المحللون أن هذه "البرنسيسة" في الواقع هي التي انعكست على أدواره في السينما، فكان حتى وهو يؤدي دور "البلطجي" أو "المعلم" يمنح الشخصية ثقلاً ورزانة تجبر الجميع على احترامه، مما جعل لقب البرنس ملتصقاً به كـ علامة تجارية مسجلة لا تناسب أحداً غيره في تاريخ الفن المصري.
اللحظات الأخيرة وعزة النفس في مواجهة المرض
في سنواته الأخيرة، واجه عادل أدهم واحداً من أصعب الاختبارات الإنسانية بصبر وجلد عظيم. وأكدت التقارير الفنية أنه رغم اشتداد مرض "سرطان الرئة" عليه، إلا أنه رفض تماماً طلب المساعدة من أي جهة، وظل عزيز النفس كما كان دائماً، متحملاً آلامه في صمت وكبرياء.
وأشار النقاد إلى أنه قدم في أواخر أيامه واحداً من أجمل وأرقى أدواره في فيلم «سواق الهانم» مع النجم أحمد زكي والفنانة سناء جميل، حيث جسد دور "الباشا" الذي يعيش على أطلال الماضي بكل كبرياء وانكسار في آن واحد، وهو الدور الذي اعتبره الكثيرون "مرآة" لحال طبقة أرستقراطية كانت تتلاشى.
وكشف المقربون أن فيلم «علاقات مشبوهة» كان هو الستار الذي أسدله على مسيرته العظيمة في نفس عام وفاته، حيث صوره وهو يعاني من آلام مبرحة، ليرحل عن عالمنا تاركاً إرثاً سينمائياً ناصع البياض.
عادل أدهم.. التاجر الذي طرده أنور وجدي من مكتبه ليصبح برنس السينما المصرية
رحل عادل أدهم عن عمر ناهز 67 عاماً، لكنه ترك لنا كنزاً لا يفنى من الإبداع ومئات "القفشات" والعبارات التي لا تزال تتردد في "الكوميكس" ووسائل التواصل الاجتماعي حتى يومنا هذا، مثل "يا قطة" و"روح يا دُلع" وغيرها.
وأكد خبراء الإعلام أن استمرار حضور عادل أدهم في وعي الأجيال الشابة التي لم تعاصر أفلامه في دور العرض، هو أكبر دليل على عبقرية موهبته وتفرد أسلوبه.
وأوضح المتابعون أن "البرنس" سيبقى علامة مسجلة في تاريخ السينما المصرية، وفناناً علم الجميع أن الموهبة الحقيقية هي التي تفرض نفسها مهما كانت البداية صعبة أو قاسية، وأن كلمة "لا تصلح" التي قالها أنور وجدي كانت هي الوقود الذي أشعل نار الإبداع في قلب التاجر السكندري ليصبح أهم شرير أرستقراطي في تاريخ العرب.

0 تعليقات