![]() |
| على الشريف |
كيف صنعت المعاناة فنانًا من طراز خاص
يُعد علي الشريف واحدًا من أكثر الوجوه تميزًا في تاريخ السينما المصرية، إذ استطاع أن يحول تجربته القاسية داخل السجن إلى بداية طريقه نحو عالم التمثيل والشهرة. قصة هذا الفنان تؤكد أن الموهبة قد تُولد من رحم المعاناة، وأن القدر قد يفتح أبوابه من أكثر الأماكن ظلمة.
بدأ علي الشريف مشواره الأكاديمي بالالتحاق بكلية الهندسة، لكنه لم يجد نفسه في هذا المجال، فقرر التحول إلى كلية التجارة، حيث أتيح له وقت أكبر للانشغال بالسياسة التي كانت شغفه الحقيقي. كان من الشباب المهتمين بالشأن العام وقضايا العدالة الاجتماعية، إلا أن انخراطه في النشاط السياسي خلال فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أدى إلى اعتقاله بتهمة محاولة قلب نظام الحكم.
قضى علي الشريف ست سنوات كاملة خلف القضبان، لكنها لم تكن سنوات ضياع، بل تحولت إلى مرحلة اكتشاف الذات. في السجن، التقى بعدد من المثقفين والمفكرين مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وأحمد فؤاد نجم، ومحمود أمين العالم، وحسن فؤاد، الذين أثروا في فكره وشخصيته، وفتحوا أمامه باب الفن للمرة الأولى.
بدأ الشريف التمثيل في السجن كهاوٍ، وشارك في عدد من العروض المسرحية التي كان يقدمها السجناء لأنفسهم، من بينها رواية "مأساة الحلاج" للشاعر صلاح عبد الصبور، وبعض نصوص ويليام شكسبير. كانت تلك التجربة البسيطة بمثابة شرارة الموهبة التي ستنطلق لاحقًا نحو أضواء السينما.
بعد خروجه من السجن، التقى الكاتب حسن فؤاد بالمخرج الكبير يوسف شاهين، ورشحه لدور في فيلم "الأرض" عام 1970. اقتنع شاهين بموهبته واختاره لتجسيد شخصية دياب، رغم أنه لم يكن معروفًا في الوسط الفني حينها. تقاضى علي الشريف أجرًا قدره 60 جنيهًا فقط، لكنه حصل في المقابل على جائزة أحسن دور ثانٍ من جمعية الفيلم، وكانت هذه بداية انطلاقه الحقيقية في عالم التمثيل.
بعد نجاحه في "الأرض"، أصبح علي الشريف واحدًا من أهم الممثلين الذين يجيدون تقديم أدوار البلطجي والرجل الشعبي ببراعة واقعية. شارك في العديد من الأفلام التي أصبحت علامات في السينما المصرية، بفضل ملامحه القوية وأدائه الصادق وروحه المرحة التي كانت تضيف طابعًا خاصًا على كل دور يؤديه.
لم يكن علي الشريف مجرد ممثل يؤدي أدوارًا نمطية، بل كان فنانًا يعبر عن الإنسان البسيط في الشارع المصري، بكل تناقضاته وضعفه وشجاعته. ومن خلال مسيرته، أثبت أن التمثيل ليس مهنة فقط، بل رسالة يمكن أن تنبع حتى من تجربة قاسية مثل السجن.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”