🌍 Translate

كود اعلان

سورة العصر طريق النجاة.. أمين الفتوى يوضح معاني الإيمان والعمل والتواصي بالحق

الدكتور محمود الطحان أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية يشرح معاني سورة العصر ومنهج النجاة من الخسران في برنامج مع الناس.
الدكتور محمود الطحان

في دقائق معدودة، اختصر القرآن الكريم مسار البشرية منذ فجر التاريخ وحتى قيام الساعة في سورة لا تتعدى ثلاث آيات، وهي "سورة العصر". الدكتور محمود الطحان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، وعبر برنامج "مع الناس" على قناة الناس، غاص في أعماق هذه السورة ليخرج منها بكنوز تربوية وإيمانية تعيد صياغة مفهوم النجاح والفشل في حياة المسلم المعاصر. نبه الطحان إلى أن الله عز وجل أقسم بـ "العصر" (الزمن) ليلفت انتباهنا إلى أن الوقت هو رأس مال الإنسان الوحيد، وأن الجميع في حالة "خسران" طبيعي ما لم يتمسكوا بأركان النجاة الأربعة. وبأسلوب يجمع بين الدقة الفقهية واللمحة الوجدانية، أوضح أمين الفتوى أن سورة العصر ليست مجرد آيات تُتلى في أواخر الصلاة، بل هي "منهج حياة متكامل" ودستور إلهي يضمن للفرد السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، فكيف نبدأ رحلة الصعود من هاوية الخسران إلى قمة الفلاح؟

المرحلة الأولى: الإيمان الواعي.. الأساس الذي لا يقبل الله سواه

أكد الدكتور محمود الطحان أن رحلة النجاة تبدأ حتماً بـ الإيمان بالله، واصفاً إياه بالأساس والمنطلق. فلا قيمة لعمل، مهما عظم، إذا لم يكن نابعاً من عقيدة صافية ويقين صادق. واستشهد الطحان بوعيد الله للأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ لأن أعمالهم كانت بلا "روح" إيمانية. الإيمان الذي قصده أمين الفتوى ليس مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هو التصديق الجازم الذي ينعكس على الجوارح، ويجعل الإنسان يراقب الله في كل حركة وسكنة. هذا الإيمان هو "البوصلة" التي توجه العمل الصالح وتحميه من الرياء والضياع، وهو العهد الذي يربط العبد بخالقه في كل شؤون حياته.

المرحلة الثانية: العمل الصالح.. ثمرة الإيمان والترجمة الحقيقية للعبودية

انتقل الدكتور الطحان للمرحلة الثانية وهي العمل الصالح، موضحاً أن الإيمان بدون عمل هو "شجر بلا ثمر". الإسلام في رؤية الطحان لا يعرف الإيمان المنزوي في المحاريب فقط، بل هو حركة وإعمار وإصلاح. واستشهد بالوعد الإلهي: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة". الحياة الطيبة هي النتيجة الحتمية لمن يقرن يقينه بجهده. العمل الصالح يشمل كل ما ينفع الناس، بدءاً من إماطة الأذى عن الطريق وصولاً إلى التميز في العلم والمهنة. الإيمان يمنحك "الدافع"، والعمل الصالح يمنحك "الأثر"، والجمع بينهما هو سر السعادة الحقيقية والتوفيق الذي يبحث عنه الجميع في عالم مليء بالضغوط والتحديات.

المرحلة الثالثة: "تواصوا بالحق".. فلسفة المشاركة وإصلاح المجتمع

في تحليل دقيق للغة القرآن، توقف أمين الفتوى عند لفظ "تواصوا"، موضحاً أن صيغة المشاركة تعني أن الحق ليس حكراً على أحد، بل هو مسؤولية جماعية. التواصي بالحق يعني أن المؤمن لا يعيش لنفسه في "برج عاجي"، بل هو مصلح لمن حوله، ينصح بالعدل، ويدعو للرحمة، ويأمر بالإحسان. واستشهد الطحان بمقولة الفاروق عمر بن الخطاب: "رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي"، ليؤكد أن التواصي بالحق يتطلب "شجاعة في النصيحة" و"توضعاً في القبول". المسلم الصادق هو مرآة لأخيه، يبادر بالفعل قبل القول كما فعل النبي صلى الله علية وسلم  عندما خرج بنفسه لتفقد روع المدينة وعاد ليطمئن الناس بكلمته الشهيرة "لن تراعوا". هذا الفعل النبوي هو التجسيد العملي لتقديم الأمان والحق للناس وقت الأزمات.

المرحلة الرابعة: التواصي بالصبر.. الوقود اللازم لاستكمال الرحلة

أوضح الدكتور محمود الطحان أن التواصي بالصبر هو "عماد" المراحل السابقة كلها. فالإيمان يحتاج صبراً على الثبات، والعمل الصالح يحتاج صبراً على الاستمرار، والتواصي بالحق يحتاج صبراً على أذى الخلق وردود أفعالهم. الصبر في الإسلام ليس استسلاماً، بل هو قوة نفسية تجعل المسلم صامداً أمام الابتلاءات، ومثابراً في أداء الطاعات. من دون الصبر، ينهار المشروع الإيماني عند أول عقبة. لذا جعل الله التواصي بالصبر هو "مسك الختام" في سورة العصر، لأنه الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق مجدداً في خسران الوقت والجهد، فالمؤمن الصابر هو من يقطف ثمار فلاحه في نهاية المطاف.

سورة العصر كمنهج حياة.. لماذا خسر من غفل عن معانيها؟

شدد الطحان على أن سورة العصر ليست مجرد آيات قصيرة للحفظ، بل هي خريطة طريق وجودية. من فهمها أدرك أن الوقت يمضي، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في جمع المال أو الجاه، بل في هذه المراحل الأربع. الغفلة عن هذه السورة تعني ضياع "رأس المال" الوحيد وهو العمر. من يعيش بلا إيمان يفتقد المعنى، ومن يعيش بلا عمل يفتقد الأثر، ومن يعيش بلا تواصي بالحق والصبر يفتقد الحماية والمجتمع. لذا فإن جوهر الدين يكمن في تطبيق هذه الآيات الثلاث في واقعنا المعاصر، لنتحول من "أفراد خاسرين" إلى "أمة فائزة" تدرك قيمة الوقت وتعمل لرفعة الدنيا والآخرة.

سورة العصر.. دعوة لاستعادة الذات وبناء الوطن

فإن حديث الدكتور محمود الطحان يضعنا أمام مسؤولية كبيرة تجاه أنفسنا ومجتمعنا. سورة العصر تخبرنا أن النجاة "جماعية" وليست فردية فقط، فكلمة "تواصوا" تلغي الأنانية وتفرض التعاون. في ظل التحديات التي نعيشها في عام 2025، نحتاج لاستحضار هذا المنهج القرآني؛ نؤمن بصدق، نعمل بإتقان، نتواصى بالحق بذكاء، ونصبر بيقين. مصر التي طالما كانت منارة للعلم والإيمان، تستحق منا أن نكون "جيل سورة العصر" الذي لا يضيع وقته فيما لا ينفع، بل يبني ويشيد بالحق والصبر. لنبدأ من اليوم، ولنجعل من آيات العصر نبراساً يضيء لنا دروب النجاة، لعلنا نخرج من زمرة الخاسرين ونلتحق بركب المفلحين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

إرسال تعليق

0 تعليقات