🌍 Translate

كود اعلان

الدكتور وليد هندي يدق ناقوس الخطر: التنمر والعنف المدرسي قنبلة موقوتة


الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية يتحدث عن كيفية مواجهة التنمر المدرسي وحماية الأطفال من العنف النفسي والجسدي.
الدكتور وليد هندي

في واحدة من أقوى الصرخات التحذيرية التي أطلقها خبراء الصحة النفسية مع بداية الموسم الدراسي، وضع الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، يده على جرح غائر في جسد العملية التربوية، مؤكداً أن ظاهرتي التنمر والعنف المدرسي لم تعودا مجرد مشكلات عابرة، بل تحولتا إلى عدو خفي يهدد سلامة الأطفال ويقوض قدرتهم على التعلم والحياة. وأوضح هندي أن الندوب التي يتركها التنمر على روح الطفل أعمق بكثير من أي جروح جسدية، حيث تتحول مع مرور الوقت إلى اضطرابات سلوكية مزمنة قد ترافق الإنسان حتى مرحلة الكهولة، ما لم يتم التصدي لها بوعي وحزم من المثلث التربوي: الأسرة، المدرسة، والدولة.

التشريح النفسي للظاهرة: ما الفرق بين العنف والتنمر؟

بدأ الدكتور وليد هندي تحليله بتوضيح مفاهيمي غاية في الأهمية، مشيراً إلى أن الكثير من أولياء الأمور يخطئون في تقييم ما يتعرض له أطفالهم. فبينما يُعرف العنف بأنه سلوك عدواني قد يكون وليد لحظة غضب أو مشاجرة عشوائية، فإن التنمر هو فعل "سادي" بامتياز يعتمد على اختلال ميزان القوة. المتنمر يختار ضحية يراها أضعف منه (جسدياً أو اجتماعياً أو نفسياً)، ويمارس عليها إيذاءً مقصوداً ومتكرراً بهدف الإذلال وفرض السيطرة. هذا الفارق الجوهري هو ما يجعل التنمر أخطر أنواع العنف، لأنه يحول حياة الطفل الضحية إلى سلسلة متصلة من الرعب الذي لا ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي.

الأشكال الخفية لـ التنمر المدرسي: حين يكون الصمت أشد فتكاً

حذر الدكتور هندي من أن التنمر لا يقتصر فقط على الضرب أو الركل، بل إن صوره المعنوية والاجتماعية هي الأكثر تدميراً. ومن أبرز تلك الصور:

  • العنف اللفظي: وهو استخدام الألقاب المسيئة، والسخرية من الشكل أو الحالة الاجتماعية، مما يهز ثقة الطفل بنفسه تماماً.
  • العزل الاجتماعي الممنهج: وهو أخطر صور التنمر، حيث يتفق مجموعة من الطلاب على "نبذ" طفل معين ومنعه من اللعب أو المشاركة، مما يشعره بأنه كائن غير مرغوب فيه، وهو ما يولد لديه شعوراً بالدونية والاكتئاب.
  • التنمر الصامت (الإيماءات): نظرات الاحتقار، والضحك الخفي عند دخول الطفل للغرفة، وهي أفعال قد لا يرصدها المعلم، لكنها تطعن الطفل الضحية في صميم كرامته.

سيكولوجية المتنمر: هل هو طفل شرير أم ضحية أخرى؟

في تحليل إنساني لافت، أشار الدكتور وليد هندي إلى أننا يجب ألا نكتفي بجلد المتنمر، بل يجب فهم "لماذا يفعل ذلك؟". المتنمر غالباً ما يكون ضحية في بيئة أخرى؛ ربما يتعرض للعنف المنزلي، أو يعاني من إهمال عاطفي يجعله يبحث عن "القوة الزائفة" من خلال إيذاء زملائه. إن الطفل المتنمر يفتقر إلى الذكاء العاطفي والقدرة على التعاطف، وعقابه بالضرب أو الطرد فقط قد يزيد من عدوانيته. الحل يكمن في إخضاع المتنمر والضحية معاً لـ برامج دعم نفسي مكثفة لإعادة بناء مفاهيم القوة والاحترام لديهما.

العلامات التحذيرية: كيف تعرف أن طفلك يتعرض للإيذاء؟

شدد استشاري الصحة النفسية على ضرورة أن تكون الأم والأب "رادارات" حساسة لأي تغيير يطرأ على سلوك الطفل. وحدد أعراضاً طبية ونفسية واضحة تتطلب تدخلاً فورياً:الخرس الاختياري: حين يتحول الطفل المرح فجأة إلى طفل صامت يرفض الحديث عما جرى في يومه.اضطرابات النوم والكوابيس: حيث يفرغ العقل الباطن مخاوف الطفل أثناء النوم في شكل فزع ليلي.التبول اللاإرادي: وهو عرض "سيكوسوماتي" كلاسيكي يظهر عند تعرض الطفل لضغط نفسي يتجاوز قدرته على التحمل.تدهور المستوى الدراسي: فالطفل الذي يعيش في رعب لا يملك طاقة عقلية للتركيز في المناهج.رفض المدرسة: التظاهر بالمرض (صداع، آلام بطن) كل صباح للهروب من البيئة المؤذية.

التنمر الإلكتروني: حين يلاحق العدوان الطفل إلى منزله

تطرق الدكتور هندي إلى بُعد معاصر وشديد الخطورة، وهو التنمر الإلكتروني. ففي السابق، كان المنزل هو الملاذ الآمن للطفل بعد انتهاء المدرسة، أما الآن، فإن المتنمرين يلاحقون ضحاياهم عبر تطبيقات "الواتساب" و"فيسبوك" و"تيك توك". نشر الصور المسيئة، أو إنشاء مجموعات للسخرية من طفل معين، يمثل ضغطاً نفسياً على مدار الساعة. وأكد أن الطفل الذي يتعرض لهذا النوع من التنمر يشعر باليأس المطبق، لأن "الجمهور" الذي يرى الإساءة قد يصل للمئات أو الآلاف، مما يتطلب رقابة أبوية رقمية صارمة وجسور ثقة تسمح للطفل بالحكي دون خوف من مصادرة هاتفه.

المسؤولية القانونية والتربوية: دور المدرسة والدولة

أكد الدكتور هندي أن مواجهة العنف المدرسي تتطلب تطبيقاً حازماً لـ لائحة الانضباط المدرسي. لا يجب التهاون مع أي واقعة تنمر تحت مسمى "هزار". المدارس مطالبة بتوفير إشراف فعال في "الفناء" و"الممرات" و"دورات المياه" حيث تنشط ممارسات التنمر بعيداً عن أعين المدرسين. كما شدد على أهمية الدور القانوني، حيث أصبحت القوانين المصرية تجرم التنمر وتضع عقوبات على المتسببين فيه، وهو ما يجب أن يدركه أولياء الأمور جيداً؛ فابنك المتنمر قد يضعك تحت طائلة القانون.

روشتة الأمان النفسي: دور الأسرة في بناء "درع الحماية"

يرى الدكتور وليد هندي أن الأمان يبدأ من المنزل. الطفل الذي يشبع عاطفياً في بيته، ويجد "آذاناً صاغية" لمشاكله الصغير، يكون قادراً على صد هجمات التنمر أو على الأقل الإبلاغ عنها فوراً. يجب تعليم الأطفال مهارات توكيد الذات، وكيفية قول "لا" بصرامة، واللجوء للكبار عند الحاجة. كما دعا إلى ضرورة تعليم الأطفال قيمة "الاختلاف"، فالتنمر غالباً ما يستهدف من هو مختلف (في اللون، الطول، اللهجة، أو المستوى المادي)، وتعليم الأطفال احترام الفوارق هو السبيل الوحيد لخلق مجتمع سوي.

صحة أطفالنا النفسية أغلى ما نملك

 تحذيره، أكد الدكتور وليد هندي أن التنمر والعنف المدرسي هما عدو الوطن الأول في بناء أجيال المستقبل. إن الطفل الذي ينشأ في بيئة مدرسية يسودها الترهيب لن يكون مواطناً مبدعاً أو منتجاً. مواجهة هذه الظاهرة هي مسؤولية أخلاقية ودينية ووطنية تقع على عاتق كل فرد في المجتمع. علينا أن نحول مدارسنا من ساحات للصراع إلى واحات للعلم والمحبة، تذكروا دائماً أن الكلمة الطيبة تبني عقولاً، والكلمة القاسية تهدم مستقبلاً كاملاً.

إرسال تعليق

0 تعليقات