🌍 Translate

كود اعلان

الإلحاد وسؤال الحرية: الشيخ خالد الجندي يوضح الفرق بين علم الله وقدر الإنسان

الشيخ خالد الجندي يتحدث عن قضية القضاء والقدر والإلحاد
الشيخ خالد الجندى
 
في ظل الهجمات الفكرية المتلاحقة والموجات الإلحادية التي تحاول التشكيك في ثوابت العقيدة، خرج الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، برؤية تنويرية ومنطقية تفند واحدة من كبريات الإشكاليات التي يطرحها المشككون، وهي جدلية "لماذا خلقنا الله؟ وهل نحن مسيرون أم مخيرون؟". ومن خلال حديثه الشائق عبر برنامج "لعلهم يفقهون"، استطاع الجندي أن يضع يده على مكمن الخلل في التفكير الإلحادي، موضحاً أن الأزمة الحقيقية تكمن في الخلط بين علم الله الأزلي وبين إرادة الإنسان الحرة، مؤكداً أن الإسلام جاء ليحرر العقل البشري من قيود "الجبرية" ويضعه أمام مسؤوليته الكاملة عن أفعاله، في توازن دقيق يجمع بين عظمة الخالق وحرية المخلوق.

تشبيه الكاميرات كيف نفهم علم الله دون إجبار؟

في محاولة لتقريب المفهوم للعقل الحديث، استخدم الشيخ خالد الجندي تشبيهاً عبقرياً ومعاصراً، حيث شبه علم الله المسبق بـ "كاميرات المراقبة" التي تسجل الحدث بدقة متناهية. وقال: "الكاميرا تصور السارق وهو يسرق، لكنها لم تجبره على السرقة؛ هي فقط وثقت ما فعله بإرادته". وبالمثل، فإن الله عز وجل، بصفته خالق الزمن والمكان، يعلم ما سيختاره الإنسان قبل أن يختاره، ليس لأنه أجبره، بل لأن علمه محيط بكل شيء. هذا العلم الإلهي هو "علم كاشف" وليس "علماً ملزماً"، مما يعني أن مسؤولية الإنسان تظل قائمة وثابتة، فهو من يقرر وهو من ينفذ، وعلم الله هو تسجيل لهذا القرار قبل وقوعه في عالم الشهادة.

الفرق بين العلم والقدرة مفتاح الفهم الصحيح للعقيدة

أوضح الجندي نقطة فنية وعقدية في غاية الأهمية، وهي الفرق بين علم الله وبين قدرة الله. فالعلم هو إحاطة بالمعلومات والنتائج، أما القدرة فهي القوة المطلقة على الفعل والتحكم. الله عز وجل في كمال حكمة خلقه، أعطى الإنسان مساحة من "القدرة المحدودة" داخل ملكه، ليتمكن من ممارسة حرية الاختيار. الله يعلم مسبقاً بما ستفعله (علم)، ولكنه ترك لك الخيار لتفعل أو لا تفعل (قدرة مفوضة للإنسان)، وبذلك يتحقق الاختبار الإلهي. إن إنكار هذه الحقيقة هو ما يوقع الملحدين في فخ التناقض، حيث يطالبون بالحرية من جهة، وينكرونها على أنفسهم بدعوى "الجبر الإلهي" من جهة أخرى.

الإلحاد وسؤال الحرية الهروب من المسؤولية

يرى الشيخ خالد الجندي أن الكثير من دعوات الإلحاد المعاصرة تتخذ من سؤال "الحرية والقدر" ستاراً للهروب من المسؤولية الأخلاقية. فالملحد عندما يدعي أنه "مجبر" لأنه لا يملك قرار خلقه، يحاول التنصل من عواقب أفعاله. ورد الجندي على ذلك بأن الإنسان في حياته اليومية يمارس أرقى أنواع الاختيار؛ فهو يختار طعامه، وعمله، وشريك حياته بكامل إرادته، فكيف يأتي عند الدين ويدعي أنه مسلوب الإرادة؟ هذه الازدواجية في التفكير هي ما يحاول الشيخ خالد الجندي كشفها، مؤكداً أن الإيمان هو الذي يمنح الإنسان قيمته الحقيقية ككائن حر ومسؤول ومكلف بإعمار الأرض.

رسالة إلى الشباب انشغلوا بأفعالكم لا بعلم ربكم

وجه الجندي نصيحة ذهبية للشباب الذين تتقاذفهم أمواج الشك، بضرورة التركيز على العمل الصالح والسلوكيات اليومية بدلاً من الغرق في غيبيات لا يدرك كنهها إلا الخالق. وقال: "لا تشغل نفسك بما يعلمه الله عنك، بل اشغل نفسك بما تقدمه أنت لنفسك أمام الله". إن الانشغال بـ "القدر المحتوم" هو نوع من العجز، بينما الانشغال بـ التغيير والإصلاح هو جوهر الدين. نحن نحاسب على ما اخترناه وما فعلناه، ولن يسألنا الله يوم القيامة: "لماذا كنت في علمي سأفعل كذا؟"، بل سيسألنا: "لماذا فعلت كذا وكذا؟".

التوازن في الإسلام حرية الإرادة وكمال الألوهية

ختم الشيخ حديثه بالتأكيد على أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي قدم حلاً وسطاً ومنطقياً لإشكالية "القضاء والقدر". فهو لم يقل بالجبر المطلق الذي يلغي عقل الإنسان، ولم يقل بالتفويض المطلق الذي يعزل الخالق عن خلقه. بل قدم منظومة التكليف والمسؤولية؛ حيث الإنسان حر فيما كُلف به، ومسؤول عما أراده. هذه الرؤية هي الرد القاطع على الإلحاد، لأنها تثبت أن الله خلقنا لنكون "شركاء في الإعمار" بقراراتنا، وليس مجرد آلات تتحرك بغير وعي. إن الحرية مسؤولية أمام الله، ومن يدرك هذه الحقيقة يجد السكينة واليقين.

دور العلماء في مواجهة الفكر الإلحادي

أكد الجندي أن دور المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والمؤسسات الدينية في مصر هو تبسيط هذه المفاهيم المعقدة للعامة والشباب. فالمعركة اليوم ليست معركة سيوف، بل هي معركة وعي وعقول. استخدام المنطق، والعلم، والتشبيهات العصرية هو السبيل الوحيد لإعادة المنحرفين فكرياً إلى جادة الصواب. إن خطاب الشيخ خالد الجندي يتسم بـ "العصرنة" و"التجديد"، وهو ما نحتاجه بشدة لمخاطبة جيل نشأ في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويبحث عن إجابات تشفي غليله العقلي وتطمئن قلبه الإيماني.

 أنت حر.. وبحريتك تكتمل إنسانيتك

 يظل حديث خالد الجندي صرخة في وجه التخبط الفكري. العلم الإلهي ليس قيداً، بل هو كمال في الألوهية، وحريتك ليست وهماً، بل هي جوهر وجودك. الله خلقك لتختار، واختارك لتكون خليفته في الأرض، فلا تجعل من "القدر" شماعة لتعليق إخفاقاتك، ولا تجعل من "الإلحاد" مهرباً من مواجهة نفسك. الطريق إلى الله يبدأ بكلمة "أنا اخترت"، وعندها فقط ستدرك أن كل فعل تقوم به هو سطر في كتاب حياتك الذي ستعرضه بيدك أمام خالقك.

إرسال تعليق

0 تعليقات