![]() |
| الموسيقار عمار الشريعي |
عبقرية التلحين من "أقوى من الزمن" إلى ملحمة "رأفت الهجان"
تميزت مسيرة عمار الشريعي بقدرة فائقة على ترجمة المشاعر الإنسانية والوطنية إلى نوتات موسيقية تهز الوجدان. من ينسى أغنية "أقوى من الزمن" التي شدت بها القيثارة شادية؟ ومن يستطيع تجاوز عبقرية الموسيقى التصويرية في فيلم البريء، تلك الموسيقى التي كانت بطلاً موازياً للأحداث؟ أما الدراما التلفزيونية، فقد كانت "ملعب الشريعي" المفضل، حيث صاغ تتر مسلسل رأفت الهجان بموسيقى تشع بالغموض والوطنية، لتصبح السلام الوطني غير الرسمي لمحبي المخابرات المصرية. لم تكن ألحانه مجرد خلفية موسيقية، بل كانت "روحاً" تبث في العمل الفني لتعيش عقوداً طويلة وتتوارثها الأجيال.
الجوائز والأوسمة اعتراف دولي وعربي بـ "الحصان الذهبي"
لم يكن إبداع عمار الشريعي محلياً فقط، بل حصد تقديراً دولياً وعربياً واسعاً يعكس قيمته الفنية الكبرى. فقد نال جائزة مهرجان فالنسيا بإسبانيا عام 1986 عن تميزه في موسيقى فيلم "البريء"، كما كرمه الملوك والسلاطين تقديراً لعطائه؛ فمنحه ملك الأردن الملك عبد الله الثاني وسام التكريم من الطبقة الأولى، ووشحه السلطان قابوس بن سعيد بوسام الطبقة الأولى في عمان عام 1992. والأكثر إدهاشاً هو تربعه على عرش التلحين بحصوله على جائزة الحصان الذهبي كأفضل ملحن في الشرق الأوسط لمدة سبعة عشر عاماً متتالية، وهو رقم قياسي يبرهن على أن موهبته كانت متفردة وغير قابلة للمنافسة.
الجانب الإنساني كيف كان يعيش "المبصر بقلبه" داخل منزله؟
في شهادة إنسانية مؤثرة، كشفت زوجته السيدة ميرفت القصاص عن جوانب خفية في حياة عمار الشريعي. فقد كان عمار نموذجاً للاعتماد الكامل على النفس بشكل يبهر المبصرين؛ ففي منزله كان يتحرك كأنه يرى تماماً، بل وكان يعد الطعام لنفسه ويستخدم "الميكروويف" والأجهزة الحديثة بدقة متناهية. الشريعي لم يكن يحب أن يشعر أحد بعجزه، بل كان هو من يبادر بالمساعدة والمزاح، مما جعل حياته الأسرية مليئة بالبهجة والتفاؤل. هذه القوة المستمدة من الرضا النفسي هي التي جعلت ألحانه تخرج بهذا الصدق والعمق.
كواليس ليلة الزفاف عندما ترك "الكوشة" من أجل الموسيقى
روت ميرفت القصاص واقعة طريفة ومؤثرة عن يوم زفافهما، تجسد عشق عمار الشريعي للموسيقى فوق كل شيء. فبينما كان الاتفاق على عشاء عائلي بسيط، فاجأها عمار بدعوة حشد كبير من أصدقائه الفنانين، مما اضطرها لشراء فستان زفاف في اللحظات الأخيرة. وفي ليلة العمر، وبدلاً من الجلوس بجانب عروسه في "الكوشة"، لم يتمالك عمار نفسه أمام آلة الأورج، فترك العروس وذهب ليعزف ويغني مع أصدقائه، مؤكداً أن قمة سعادته تكمن في ملامسة مفاتيح الآلة الموسيقية. ميرفت لم تغضب، بل أدركت منذ تلك الليلة أنها تزوجت "كتلة من النغم" لا يمكن حصرها في التقاليد.
عمار الشريعي الموسيقار الذي طوع التكنولوجيا
لم يقف فقد البصر عائقاً أمام مواكبة عمار الشريعي للعصر، بل كان من أوائل الموسيقيين الذين استخدموا الكمبيوتر في التلحين والتوزيع الموسيقي. بفضل ذكائه الحاد وحاسته السمعية المذهلة، استطاع التعامل مع برامج الموسيقى المعقدة، بل وكان يبتكر طرقاً تقنية لتمكينه من القراءة والكتابة والتعامل مع الأجهزة الذكية. هذا الجانب التقني في شخصية عمار يثبت أن الإبداع لا يحتاج إلى عيون ترى، بل إلى عقل يستوعب التطور وقلب ينبض بالحداثة.
لماذا سيبقى الشريعي "معلم الأجيال"؟
ترك عمار الشريعي خلفه كنزاً من الأعمال التي لا تموت، ليس فقط في التلحين، بل في التقديم الإذاعي والتلفزيوني أيضاً من خلال برنامجه الشهير "غواص في بحر النغم". فقد كان معلماً يحلل الموسيقى بأسلوب بسيط يصل لعامة الشعب، مما ساهم في رفع الذائقة الموسيقية العربية. عمار علمنا أن الموسيقى هي "لغة الروح"، وأن الفنان الحقيقي هو من يشعر بآلام وآمال شعبه ويصيغها في جمل موسيقية عابرة للزمن. ذكراه اليوم ليست مجرد استعادة لتاريخ، بل هي احتفاء بقيمة الإرادة الإنسانية التي لا تعرف المستحيل.
الموسيقار الذي لم يعرف الظلام
هذه الرحلة مع سيرة عمار الشريعي، ندرك أننا أمام ظاهرة لن تتكرر كثيراً في تاريخ الفن. رجل ولد في الظلام لكنه أضاء حياة الملايين، فقد بصره لكنه امتلك "بصيرة" فنية نافذة. إن الاحتفاء بذكرى ميلاده هو احتفاء بكل مبدع قرر أن يتحدى ظروفه ليصنع تاريخاً لوطنه. سيظل عمار الشريعي دائماً هو "الغواص" الذي يخرج لنا أجمل اللآلئ الموسيقية من بحر إبداعه، وسيبقى صوته وألحانه هما "النور" الذي نستضيء به في عالم الفن الراقي.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”