![]() |
أيمن أبو عمر وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة |
يعد الإيمان بالقدر وخفايا الغيب من أركان العقيدة الإسلامية التي تثير تساؤلات كثيرة في أذهان العباد. وفي هذا السياق، قدم الدكتور أيمن أبو عمر، وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة الإسلامية، شرحاً وافياً حول فلسفة "حجب الغيب" وعلاقتها بمحاسبة الإنسان على أعماله، موضحاً الفرق الدقيق بين ما هو "مكتوب" وبين "إرادة العبد" واختياراته اليومية.
أسرار حجب الغيب عن العباد
أكد الدكتور أيمن أبو عمر، خلال حديثه في برنامج "مع الناس" على قناة "الناس"، أن حجب الغيب هو رحمة من الله سبحانه وتعالى بالبشر. فلو علم الإنسان موعد وفاته أو ما يخبئه له القدر من ابتلاءات، لعاش في قلق دائم وتعطلت حركة الحياة والإعمار في الأرض. حجب الغيب يجعل العبد دائم التعلق بربه، مستمراً في العمل والاجتهاد، طامعاً في فضله ومستعداً للقائه في أي لحظة.
الستر الإلهي وأثره في استقرار النفس البشرية
يضيف الدكتور أيمن أبو عمر بُعداً نفسياً هاماً لحجب الغيب، وهو أن النفس البشرية بطبيعتها ضعيفة ولا تقوى على تحمل معرفة المستقبل؛ فلو كُشف الحجاب لرأى الإنسان تقلبات الأيام بين غنى وفقر، أو صحة ومرض، وهذا من شأنه أن يورث اليأس أو الكبر. حجب الغيب هو بمثابة "ستارة رحمة" تجعل الإنسان يعيش يومه بيومه، مستمتعاً بالنعم التي بين يديه، ومؤملاً في غدٍ أفضل. هذا الجهل بالمستقبل هو المحرك الأساسي للاقتصاد، والابتكار، والسعي؛ فالطالب يذاكر لأنه لا يعلم نتيجة الامتحان يقيناً، والتاجر يغامر لأنه يأمل في الربح. وهكذا أراد الله لنا أن نكون "عُمّاراً" للأرض، لا مقيدين بقيود المعرفة المسبقة التي قد تصيبنا بالشلل الفكري أو العاطفي.
هل يُحاسب الإنسان على ما كُتب عليه؟
أوضح وكيل وزارة الأوقاف نقطة جوهرية يقع فيها الكثير من اللبس، وهي أن الله سبحانه وتعالى يحاسب العباد على أفعالهم الاختيارية وليس على ما كُتب في اللوح المحفوظ. فاللوح المحفوظ يمثل "علم الله المسبق" بما سيفعله العبد باختياره، وليس إكراهاً للعبد على الفعل.
- الأمور المسير فيها: مثل مكان الميلاد، الأهل، وشكل الجسد، وهذه لا يُحاسب عليها الإنسان.
- الأمور المخير فيها: مثل فعل الخير، الالتزام بالصلاة، وترك المنكرات، وهي التي يذهب بها العبد إلى ربه ليُنال جزاءه.
جدلية الدعاء والقدر: هل يغير التضرع ما كُتب في اللوح؟
وفي توضيح عميق لإشكالية تشغل الكثيرين، أشار وكيل وزارة الأوقاف إلى أن "الدعاء" هو أيضاً من القدر. فالله عز وجل كتب في علمه الأزلي أن العبد الفلاني سيمر بضيق، ثم يدعو الله، فيُرفع عنه الضيق؛ فالدعاء والقدر يتصارعان في السماء كما جاء في الأثر. وأكد د. أيمن أبو عمر أن الإيمان بالقدر لا يعني الاستسلام السلبي، بل يعني "مغالبة الأقدار بالأقدار"؛ فنحن ندفع قدر الجوع بقدر الأكل، وقدر المرض بقدر التداوي. هذه الفلسفة الإسلامية الراقية توضح أن الكتابة في اللوح المحفوظ لا تصادر إرادة العبد، بل هي توثيق لعلم الله المحيط بكل شيء، مما يعطي المؤمن دافعاً قوياً للإلحاح في الدعاء وتغيير واقعه بالعمل الصالح والتوسل إلى الله.
الاجتهاد وسيلة العبد للوصول إلى مرضاة الله
إن حجب الغيب يستلزم من العبد أن "يفعل ما عليه" ويجتهد في طاعة الله، لأن النتيجة النهائية مرتبطة بالسعي. ويشير د. أيمن أبو عمر إلى أن العبد عليه أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأن الأسباب لا شيء. هذا التوازن النفسي هو ما يحققه الإيمان بالقدر؛ فهو يدفع الإنسان للعمل دون يأس، ويمنحه الرضا والسكينة عند وقوع الأقدار.
دور قناة الناس في التوعية الدينية المعاصرة
تأتي هذه التصريحات ضمن خريطة برامج قناة الناس الجديدة، والتي انطلقت برؤية عصرية تحت مظلة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. تهدف القناة عبر برامجها المتنوعة إلى تقديم خطاب ديني وسطي يمس حياة الناس اليومية، ويجيب على تساؤلات الشباب والمرأة والطفل، مع التركيز على بناء الوعي الرشيد وفهم مقاصد الشريعة الإسلامية بعيداً عن التشدد أو الغلو.
مواجهة التواكل: الرد على من يحتجون بالقدر لفعل المعاصي
وانتقد الدكتور أيمن أبو عمر أولئك الذين يتخذون من "المكتوب" ذريعة للتقاعس أو ارتكاب الخطايا، موضحاً أن القدر "سر الله في خلقه" ولا يجوز اتخاذه حجة إلا بعد وقوع الفعل كنوع من الصبر، لا قبل الفعل كنوع من التبرير. فالإنسان لا يعرف ما كُتب له إلا بعد أن يفعله، فكيف يختار العبد طريق الضلال ثم يدعي أنه "مكتوب عليه"؟ الله منحنا العقل والوحي كأدوات للتمييز، وجعل لنا مشيئة تابعة لمشيئته سبحانه. إن الفهم الصحيح للقدر الذي تسعى المؤسسات الدينية لنشره يهدف إلى بناء شخصية إيجابية، تتوكل على الله بقلبها وتأخذ بالأسباب بجوارحها، مدركة أن "الخيرة فيما اختاره الله" وأن السعي هو الوظيفة الأساسية للإنسان في رحلته الدنيوية.
نصيحة ختامية للمسلم
في نهاية التقرير، يظل الإيمان بالغيب هو الاختبار الحقيقي لقوة اليقين. فعلى كل مسلم أن يطمئن لأن مقادير الخلائق بيد "الرحمن الرحيم"، وأن يجتهد في تحويل كل لحظة من حياته إلى عمل صالح يُثقل ميزانه يوم القيامة، متذكراً دائماً أن الله حجب الغيب لنعيش بالأمل ونعمل باليقين.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”