🌍 Translate

كود اعلان

شوقي علام يوضح أسباب تغير الفتوى: لماذا لا تُطبق الحدود في زماننا؟

الدكتور شوقي علام يتحدث عن ضوابط الفتوى وتطبيق الحدود الشرعية
فضيلة مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام

أكد الأستاذ الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، أن الفتوى في الإسلام ليست قالباً جامداً، بل هي عملية حية تتأثر بتغير الزمان والمكان وفساد الذمم. وأوضح فضيلته أن فهم النصوص الشرعية يتطلب ضوابط دقيقة وأدوات فقهية رصينة، مشيراً إلى أن عدم تطبيق بعض النصوص في حالات معينة لا يعني إهمال الشرع، بل هو التطبيق الصحيح لروح النص عند غياب الشروط أو وجود الموانع.

فلسفة تطبيق الحدود الشرعية وضوابطها

خلال حديثه في برنامج "للفتوى حكاية" عبر قناة "الناس"، فتح فضيلة المفتي ملفاً شائكاً يتعلق بتطبيق الحدود الشرعية المنصوص عليها في القرآن الكريم. وأوضح أن إنزال النص على أرض الواقع يحتاج إلى "تحقيق المناط"، أي التأكد من توافر كافة الشروط والأسباب وانتفاء الموانع. فالشريعة الإسلامية تدرأ الحدود بالشبهات، وإذا لم يطمئن القاضي أو المفتي لتوافر البيئة المناسبة لتطبيق الحد، فإن الامتناع عن تطبيقه يكون هو عين الالتزام بالشرع.

قاعدة درء الحدود بالشبهات: صمام أمان العدالة الإسلامية 

استفاض الدكتور شوقي علام في شرح القاعدة النبوية الجليلة "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"، موضحاً أن الشريعة الإسلامية تضع "الاحتياط للدماء والأعراض" في مقدمة أولوياتها. ففي فقه الجنايات، يُعد الخطأ في العفو خيراً من الخطأ في العقوبة. وأكد المفتي أن الشبهة هنا ليست مجرد شك بسيط، بل هي أي احتمال يطرأ على الجريمة يجعل القاضي غير جازم بوقوعها بالشروط المطلحة التي وضعها الشرع. ومن هنا، فإن عدم تطبيق الحد في عصرنا الحالي يرجع في كثير من الأحيان إلى تعقيدات الإثبات الجنائي الحديثة، ووجود احتمالات تقنية أو إجرائية تُعد "شبهة" قانونية وشرعية تمنع إنزال العقوبة البدنية، وتستبدلها بالعقوبات "التعزيرية" التي يقررها القانون لتحقيق الردع دون المساس بروح الشريعة الحذرة.

درس من عهد الفاروق: تعطيل حد السرقة في عام الرمادة

استشهد الدكتور شوقي علام بواقعة تاريخية شهيرة تعكس مرونة الفقه الإسلامي، وهي ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما حلت المجاعة (عام الرمادة). في تلك الظروف، أوقف عمر بن الخطاب تطبيق حد السرقة لأن "الضرورة" أصبحت سائدة، والناس في حاجة شديدة للبقاء على قيد الحياة. هنا لم يهمل الفاروق النص القرآني، بل أدرك أن شرط "الاستغناء" غير متوفر، وبالتالي فإن معاقبة السارق في ظل المجاعة يخالف مقاصد الشريعة التي تهدف لحماية الإنسان.

فقه الأولويات: توفير الحياة الكريمة قبل إقامة الحد 

وفي تحليل أعمق لموقف سيدنا عمر بن الخطاب، أشار فضيلة المفتي إلى أن الشريعة منظومة متكاملة؛ فلا يمكن تطبيق عقوبة "السرقة" مثلاً إلا في مجتمع وفرت فيه الدولة الحد الأدنى من الكفاية لجميع مواطنيها. إن تعطيل الحد في عام الرمادة كان إدراكاً من الفاروق بأن "الحاجة" قد تدفع الإنسان لما لا يحمد عقباه، وهنا ينتفي ركن "الاختيار" والقدرة على الامتناع عن الجريمة. ومن هذا المنطلق، يرى المفتي أن الانشغال بتأمين حقوق الناس، وتحقيق التكافل الاجتماعي، ومحاربة الفقر هو "التطبيق الحقيقي للشرع" في المقام الأول، لأن الحدود هي زواجر تُطبق في بيئة مثالية أو قريبة من المثالية، وليست مجرد سيف مسلط على رقاب المحتاجين أو المغلوبين على أمرهم.

القضاء الحديث وتطبيق روح النص القرآني

وفي مقاربة مع الواقع المعاصر، أوضح مفتي الديار أن القاضي اليوم عندما ينظر في قضية قتل، قد لا يطبق القصاص إذا لم يطمئن للأدلة أو وجد شبهة تمنع الحكم. وأكد أن القضاة في المحاكم المصرية يطبقون الشرع الشريف والقرآن الكريم تطبيقاً صحيحاً ومنضبطاً، حتى وإن لم تكن الأحكام مطابقة للصورة النمطية التي يتخيلها البعض عن "الحدود". فالعدل هو جوهر الشريعة، والبحث عن اليقين في الأدلة هو التزام بالأمر الإلهي.

تغير الزمان وفساد الذمم كأسباب لتغير الفتوى

أشار فضيلة المفتي إلى أن الفقيه يجب أن يكون ملماً بواقعه؛ ففساد الذمم في بعض العصور قد يتطلب تشديداً في بعض الأحكام أو تيسيراً في أخرى لحماية المجتمع. تغير الفتوى بتغير الأزمنة هو "رحمة" وليس "تراجعاً"، وهو ما يجعل الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان. إن "صناعة الفتوى" تتطلب فماً يفهم النص، وعقلاً يدرك الواقع، وقلباً يبتعد عن التشدد الذي قد ينفر الناس من الدين.

القوانين المعاصرة كبديل شرعي تعزيري للحدود 

وردًا على من يدعون أن القوانين الوضعية تخالف الشريعة لعدم نصها على الحدود البدنية، أوضح الدكتور شوقي علام أن "التعزير" جزء أصيل من الفقه الإسلامي، وهو العقوبة التي يفوض فيها الشرعُ وليَّ الأمر (القانون والقضاء) لتقديرها بما يناسب الزمان والمكان. فالقوانين المصرية المستمدة في روحها من مقاصد الشريعة لا تهمل العقاب، بل تنظمه بما يحقق مصلحة المجتمع ويمنع الفوضى. إن فلسفة العقاب في الإسلام تهدف إلى الإصلاح والزجر، وإذا رأى ولي الأمر أن الحبس أو الغرامة في ظروف معينة تحقق الردع العام والخاص دون الحاجة للحدود، فإن هذا يُعد تنفيذاً لجوهر الدين. فالحدود ليست "غاية" في ذاتها، بل هي "وسيلة" لتحقيق الأمن، وإذا تحقق الأمن بوسائل أخرى منضبطة شرعاً، فقد تحقق مقصد الشارع.

دور المؤسسات الدينية في تصحيح المفاهيم

تأتي هذه التوضيحات في وقت تسعى فيه دار الإفتاء المصرية، من خلال منصاتها وبرامجها مثل "للفتوى حكاية"، إلى مواجهة الفكر المتطرف الذي يختزل الشريعة في "العقوبات البدنية" فقط، متجاهلاً منظومة العدالة الاجتماعية والضوابط الأخلاقية والبيئية التي وضعها الإسلام قبل تشريع الحدود.

إرسال تعليق

0 تعليقات