![]() |
| فضيلة مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام |
أكد الأستاذ الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، أن الفتوى في الإسلام ليست قالباً جامداً، بل هي عملية حية تتأثر بتغير الزمان والمكان وفساد الذمم. وأوضح فضيلته أن فهم النصوص الشرعية يتطلب ضوابط دقيقة وأدوات فقهية رصينة، مشيراً إلى أن عدم تطبيق بعض النصوص في حالات معينة لا يعني إهمال الشرع، بل هو التطبيق الصحيح لروح النص عند غياب الشروط أو وجود الموانع.
فلسفة تطبيق الحدود الشرعية وضوابطها
خلال حديثه في برنامج "للفتوى حكاية" عبر قناة "الناس"، فتح فضيلة المفتي ملفاً شائكاً يتعلق بتطبيق الحدود الشرعية المنصوص عليها في القرآن الكريم. وأوضح أن إنزال النص على أرض الواقع يحتاج إلى "تحقيق المناط"، أي التأكد من توافر كافة الشروط والأسباب وانتفاء الموانع. فالشريعة الإسلامية تدرأ الحدود بالشبهات، وإذا لم يطمئن القاضي أو المفتي لتوافر البيئة المناسبة لتطبيق الحد، فإن الامتناع عن تطبيقه يكون هو عين الالتزام بالشرع.
درس من عهد الفاروق: تعطيل حد السرقة في عام الرمادة
استشهد الدكتور شوقي علام بواقعة تاريخية شهيرة تعكس مرونة الفقه الإسلامي، وهي ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما حلت المجاعة (عام الرمادة). في تلك الظروف، أوقف عمر بن الخطاب تطبيق حد السرقة لأن "الضرورة" أصبحت سائدة، والناس في حاجة شديدة للبقاء على قيد الحياة. هنا لم يهمل الفاروق النص القرآني، بل أدرك أن شرط "الاستغناء" غير متوفر، وبالتالي فإن معاقبة السارق في ظل المجاعة يخالف مقاصد الشريعة التي تهدف لحماية الإنسان.
القضاء الحديث وتطبيق روح النص القرآني
وفي مقاربة مع الواقع المعاصر، أوضح مفتي الديار أن القاضي اليوم عندما ينظر في قضية قتل، قد لا يطبق القصاص إذا لم يطمئن للأدلة أو وجد شبهة تمنع الحكم. وأكد أن القضاة في المحاكم المصرية يطبقون الشرع الشريف والقرآن الكريم تطبيقاً صحيحاً ومنضبطاً، حتى وإن لم تكن الأحكام مطابقة للصورة النمطية التي يتخيلها البعض عن "الحدود". فالعدل هو جوهر الشريعة، والبحث عن اليقين في الأدلة هو التزام بالأمر الإلهي.
تغير الزمان وفساد الذمم كأسباب لتغير الفتوى
أشار فضيلة المفتي إلى أن الفقيه يجب أن يكون ملماً بواقعه؛ ففساد الذمم في بعض العصور قد يتطلب تشديداً في بعض الأحكام أو تيسيراً في أخرى لحماية المجتمع. تغير الفتوى بتغير الأزمنة هو "رحمة" وليس "تراجعاً"، وهو ما يجعل الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان. إن "صناعة الفتوى" تتطلب فماً يفهم النص، وعقلاً يدرك الواقع، وقلباً يبتعد عن التشدد الذي قد ينفر الناس من الدين.
دور المؤسسات الدينية في تصحيح المفاهيم
تأتي هذه التوضيحات في وقت تسعى فيه دار الإفتاء المصرية، من خلال منصاتها وبرامجها مثل "للفتوى حكاية"، إلى مواجهة الفكر المتطرف الذي يختزل الشريعة في "العقوبات البدنية" فقط، متجاهلاً منظومة العدالة الاجتماعية والضوابط الأخلاقية والبيئية التي وضعها الإسلام قبل تشريع الحدود.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”