![]() |
| مفيد شهاب |
غيب الموت اليوم الأحد 15 فبراير 2026، قامة قانونية وسياسية مصرية رفيعة المستوى، برحيل الدكتور مفيد شهاب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق وأستاذ القانون الدولي المرموق، عن عمر ناهز الـ 90 عاماً.
وأكدت المصادر المقربة من الفقيد الراحل أنه وافته المنية بعد مسيرة حافلة بالعطاء الوطني والأكاديمي، مخلفاً وراءه إرثاً قانونياً وتاريخياً سيظل محفوراً بمداد من ذهب في ذاكرة الدولة المصرية الحديثة.
وأشار المحللون السياسيون إلى أن مصر فقدت برحيله واحداً من أخلص أبنائها الذين سخروا علمهم للدفاع عن حدود الوطن في المحافل الدولية، موضحين أن اسم "مفيد شهاب" سيظل مقترناً دائماً بانتصارات الدبلوماسية القانونية المصرية التي لا تقل أهمية عن الانتصارات العسكرية في ميدان القتال.
مسيرة علمية بدأت من الإسكندرية
ولد الدكتور مفيد شهاب في يناير من عام 1936 بمحافظة الإسكندرية، وسط بيئة كانت تقدر العلم والعلماء. وأوضح الباحثون في سيرته الذاتية أن طموحه العلمي لم يتوقف عند حدود محلية؛ فبعد حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية في عام 1956، انطلق ليحلق في سماء العالمية بحصوله على درجة الدكتوراه من جامعة باريس (السوربون) العريقة في عام 1963.
وأكد تلامذته أن الراحل كان يمتلك مدرسة خاصة في التفكير القانوني تعتمد على الدقة المتناهية والبحث العميق في أصول القانون الدولي. وأشار التقرير الأكاديمي إلى أن الراحل تدرج في المناصب الجامعية ببراعة، حيث شغل منصب عميد كلية الحقوق ورئيس قسم القانون الدولي، قبل أن يتم تعيينه رئيساً لجامعة القاهرة في عام 1993، ليقود أعرق الجامعات المصرية نحو التطوير والتميز الأكاديمي.
المعركة التي خاضها مفيد شهاب بـ "الأوراق والخرائط"
يُعد الدكتور مفيد شهاب واحداً من "جنود القانون" المجهولين الذين خاضوا معركة دبلوماسية وقانونية كانت هي الأصعب في تاريخ مصر الحديث؛ وهي معركة استرداد طابا.
وأشار المؤرخون إلى أن "شهاب" كان عضواً بارزاً ومحورياً في اللجنة القومية لاسترداد طابا، حيث خاض صراعاً قانونياً مريراً أمام هيئة التحكيم الدولي في جنيف خلال الفترة من 1985 وحتى 1988.
وكشف الراحل في مذكراته وندواته السابقة عن كواليس تلك الموقعة، مؤكداً أن الفريق القانوني المصري استطاع إثبات حق مصر التاريخي والجغرافي في كل شبر من طابا من خلال وثائق وخرائط نادرة تعود لعقود طويلة.
وشدد الخبراء على أن مرافعة مفيد شهاب وفريقه كانت بمثابة "الضربة القاضية" التي انتهت بصدور الحكم التاريخي بعودة طابا للسيادة المصرية كاملة، ليرفع العلم المصري فوق أرض الفيروز بفضل قوة القانون ومنطق الحق.
المناصب الوزارية والبصمة الدبلوماسية
إلى جانب تميزه الأكاديمي والقانوني الفذ، تقلد الدكتور مفيد شهاب أرفع المناصب التنفيذية في الدولة المصرية، حيث تولى حقيبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الفترة من 1997 وحتى عام 2004، وهي الفترة التي شهدت تحولات كبرى في منظومة التعليم الجامعي.
وأوضح المسؤولون السابقون أن "شهاب" كان يؤمن بضرورة ربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع والتنمية المستدامة وأكدت التقارير أن خبراته لم تقتصر على الداخل المصري فقط، بل امتدت لتشمل العمل الدبلوماسي والاقتصادي الدولي، حيث ساهم بخبراته القانونية العميقة كمستشار للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي لمدة 6 سنوات، مما جعل منه مرجعاً دولياً في القضايا التي تتقاطع فيها السياسة مع القانون والاقتصاد، وكشف عن قدرة العقل المصري على القيادة والريادة في المنظمات الإقليمية والدولية.
نعي رسمي من الخارجية المصرية
في سياق متصل، نعت وزارة الخارجية والتعاون الدولي المصرية ببالغ الحزن والأسى الفقيد الراحل الدكتور مفيد شهاب.
وأشار البيان الرسمي للوزارة إلى أن الفقيد كان "علماً من أعلام القانون الدولي"، سخر كل حياته وعلمه الواسع للدفاع عن ثوابت ومصالح الدولة المصرية العليا في مختلف المحافل الدولية.
وأكدت الخارجية في نعيها أن الراحل قدم نموذجاً يحتذى به في الوطنية والإخلاص، موضحاً أن مساهماته في استرداد طابا ستظل مدرسة ملهمة للأجيال القادمة من الدبلوماسيين والقانونيين المصريين.
وشددت الوزارة على أن ذكراه ستظل باقية كشاهد على عظمة العطاء الإنساني والوطني، داعية المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته جزاء ما قدمه لوطنه وأمته من خدمات جليلة ومواقف تاريخية مشرفة.
شهادات تلاميذه ومحبيه.. مفيد شهاب الإنسان والأكاديمي
أكد عدد كبير من أساتذة القانون في الجامعات المصرية أن رحيل الدكتور مفيد شهاب هو "خسارة فادحة" لا يمكن تعويضها بسهولة. وأشار تلامذته إلى أنه لم يكن مجرد أستاذ يلقي المحاضرات، بل كان أباً روحياً يعلمهم قيم النزاهة العلمية وكيفية الدفاع عن الحقوق بالمنطق القانوني الرصين.
وأوضح الدكتور جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة الأسبق، في شهادة سابقة له، أن مفيد شهاب كان يمتلك "كاريزما" قانونية طاغية وقدرة مذهلة على صياغة الاتفاقيات الدولية المعقدة بكلمات واضحة وقوية.
وشدد محبوه على أن الراحل كان يتسم بالتواضع الشديد رغم علمه الغزير ومناصبه الرفيعة، مؤكدين أن مكتبته القانونية العامرة بالكتب والأبحاث ستظل منارة لكل الباحثين في مجال القانون الدولي العام والخاص على مستوى الوطن العربي والعالم.
وداعاً مفيد شهاب.. سيبقى الأثر وتخلد السيرة
اختتم المحللون بتأكيدهم على أن مصر تودع اليوم "فارس القانون" الذي لم يترجل عن صهوة علمه حتى اللحظات الأخيرة من حياته. وأشار الخبراء إلى أن تكريم الدولة للدكتور مفيد شهاب في حياته هو أقل ما يمكن تقديمه لرجل وهب حياته لخدمة تراب هذا الوطن.
وأكد البيان أن سيرة الدكتور مفيد شهاب ستظل حية في وجدان كل مصري يفخر باسترداد أرضه وبناء مستقبله بالعلم والعمل.
وأوضح المتابعون أن جنازة الفقيد ستكون بمثابة مظاهرة حب وتقدير لرجل عاش عفيف النفس، قوي الحجة، مدافعاً عن الحق بقلب جندي وعقل عالم، سائلين الله أن يلهم أهله وذويه وملايين المحبين من تلامذته الصبر والسلوان، فمفيد شهاب لم يرحل، بل غرس في كل جامعة وقاعة محاضرات بذرة من علمه ستظل تثمر قانونيين شرفاء يحملون الراية من بعده

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”