![]() |
| وزير الخارجية المصرى بدر عبد العاطى |
أكد وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، السفير بدر عبدالعاطي، في خطاب اتسم بالقوة والوضوح أمام القمة الإفريقية لعام 2026، أن الدولة المصرية تُصنف عالمياً وفنياً ضمن الدول التي تعاني من "ندرة مائية حادة" وشديدة الجفاف، مشدداً على أن مصر تعتمد بصورة شبه كاملة ومطلقة، بنسبة تتجاوز الـ 97%، على مياه نهر النيل لتلبية كافة احتياجاتها المائية، سواء للشرب أو الزراعة أو الصناعة.
وأشار الوزير إلى أن هذا الاعتماد الوجودي يأتي في وقت تواجه فيه البلاد تحديات جسيمة غير مسبوقة، تفرضها معدلات النمو السكاني المتسارعة التي تضغط على الموارد المتاحة، بالتوازي مع التأثيرات القاسية والمدمرة لظاهرة تغير المناخ التي تسببت في اضطراب معدلات الأمطار في حوض النيل.
وأوضح عبد العاطي أن الموقف المصري ليس مجرد وجهة نظر سياسية، بل هو دفاع عن "حق الحياة" لشعب يتجاوز عدده الـ 110 ملايين نسمة، مؤكداً أن المساس بحصة مصر المائية خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مسمى أو ذريعة تنموية.
رؤية وسياسة إفريقيا للمياه 2063
أشاد الوزير بدر عبد العاطي، خلال مشاركته في الحدث الرفيع المستوى المعني باستدامة المياه، باعتماد «رؤية وسياسة إفريقيا للمياه 2063»، معتبراً أن هذه الوثيقة تمثل إطاراً متكاملاً وتاريخياً لتعزيز الإدارة المستدامة والعادلة للموارد المائية داخل القارة السمراء، خاصة فيما يتعلق بالمجاري المائية الدولية والأنهار العابرة للحدود.
وأشار عبد العاطي إلى أن إقرار هذه الرؤية من جانب القمة الإفريقية يمنحها صفة "الالتزام القاري" الذي يجب أن تتقيد به كافة الدول الأعضاء، بما يعزز من مبادئ الشراكة والتعاون ويضع حداً لأي محاولات لفرض ممارسات أحادية الجانب في إدارة الموارد المائية المشتركة.
وأوضح الوزير أن مصر كانت وما زالت من أكبر الداعمين لتوحيد الرؤى الإفريقية حول ملف المياه، شريطة أن تحترم هذه الرؤى القوانين الدولية المنظمة للأنهار الدولية، وأن تبتعد عن منطق الاستحواذ أو الإضرار بمصالح دول المصب التي ترتبط حياتها واستقرارها بجريان هذه الأنهار دون عوائق غير متفق عليها.
رفض السيادة المنفردة على الأنهار الدولية
سلط وزير الخارجية الضوء على مجموعة من المبادئ الجوهرية التي تضمنتها الرؤية الإفريقية، والتي تعكس جوهر المطلب المصري الدائم في المحافل الدولية.
وأكد عبد العاطي على ضرورة اعتبار المياه "حقاً إنسانياً أساسياً" لا يقبل الجدل، ورفض بشكل قاطع التعامل مع الموارد المائية المشتركة باعتبارها "أصولاً سيادية منفردة" للدول التي تنبع منها هذه الأنهار.
وأشار الوزير بلهجة دبلوماسية حازمة إلى أن الأنهار الدولية هي ملكية مشتركة لكافة الدول المشاطئة لها، ولا يحق لأي طرف أن يتصرف فيها بمعزل عن الآخرين.
وأوضح عبد العاطي أن الالتزام بقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبادئ التعاون والتوافق وعدم الإضرار، هو الضمانة الوحيدة لتجنب الصراعات في القارة.
كما شدد على ضرورة حصول الدول المشاطئة على "موافقة مسبقة" مبنية على دراسات فنية وقانونية شفافة بشأن أي مشروعات كبرى تُقام على الأنهار الدولية، لضمان عدم تأثر دول المصب بأي نقص في حصصها المائية أو تدهور في جودة المياه الواصلة إليه.
تحديات الفقر المائي وجهود الدولة المصرية في الداخل
أوضح السفير بدر عبد العاطي أن مصر تواجه ضغوطاً مائية متصاعدة نتيجة التوسع العمراني الأفقي والمشروعات الزراعية العملاقة التي تهدف لتحقيق الأمن الغذائي، مشيراً إلى أن نصيب الفرد من المياه في مصر وصل لمستويات حرجة تقل كثيراً عن خط الفقر المائي العالمي.
وأكد الوزير أن الحكومة المصرية تبذل جهوداً جبارة وتستثمر مئات المليارات من الجنيهات في مشروعات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الزراعي لإعادة استخدامها، وتبطين الترع، ونظم الري الحديث.
أوضح في الوقت نفسه أن كل هذه الحلول التكنولوجية والمحلية لا يمكن أن تعوض قطرة مياه واحدة من نهر النيل.
وأشار عبد العاطي إلى أن التعاون الإقليمي والدولي بات أمراً حتمياً لضمان تحقيق الأمن المائي والاستقرار المنشود في إفريقيا، محذراً من أن أي اهتزاز في الأمن المائي المصري سيمتد أثره ليضرب استقرار المنطقة بأكملها، نظراً لمكانة مصر ودورها المحوري في السلم والأمن الإقليمي والدولي.
التنمية في إفريقيا: رؤية مصرية للشراكة لا للصدام
أكد وزير الخارجية أن مصر لم تكن يوماً ضد التنمية في أي دولة إفريقية شقيقة، بل كانت دائماً في طليعة الدول التي تقدم الدعم الفني والهندسي لبناء السدود والمشروعات التنموية في حوض النيل والقارة ككل.
وأشار عبد العاطي إلى أن الرؤية المصرية تقوم على "الربح للجميع" (Win-Win)، حيث يمكن توليد الكهرباء وتحقيق التنمية لدول المنبع دون المساس بحق الحياة والوجود لدول المصب.
وأوضح الوزير أن التجربة المصرية في التعاون مع دول حوض النيل، مثل مشروع سد "جوليوس نيريري" في تنزانيا الذي تم بناؤه بأيادٍ مصرية، هو نموذج حي لما يمكن أن يحققه التعاون الصادق المبني على احترام الحقوق المائية لكل الأطراف.
وأكد عبد العاطي أن مصر تمد يدها بالسلام والشراكة لكافة الأطراف، لكنها تظل متمسكة بحقوقها المائية التي كفلتها المواثيق الدولية والاتفاقيات التاريخية المنظمة لنهر النيل، والتي لا تملك أي جهة حق تغييرها بالإرادة المنفردة.
التزام مصر بأجندة إفريقيا 2063 وسيادة القانون القاري
اختتم الوزير بدر عبد العاطي كلمته بالتأكيد على التزام الدولة المصرية الراسخ بمواصلة العمل مع الدول الإفريقية لتعزيز التعاون القاري في إدارة الموارد المائية، بما يدعم تحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063 ويعزز النظام متعدد الأطراف.
وأشار الوزير إلى أن قوة إفريقيا تكمن في احترامها لسيادة القانون الدولي وفي قدرتها على حل نزاعاتها بالحوار والتوافق بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع.
وأوضح عبد العاطي أن مصر ستستمر في نقل خبراتها في مجال "إدارة الأزمات المائية" للأشقاء الأفارقة، معبراً عن تطلع مصر لأن تكون "رؤية المياه 2063" بداية لعصر جديد من التعاون المائي المبني على العدالة والإنصاف.
وأكد الوزير أن حماية نهر النيل هي مسؤولية تاريخية وجيلية، وأن مصر لن تفرط في قطرة مياه واحدة تضمن مستقبل أجيالها القادمة، مع حرصها الدائم على أن يظل النيل نهراً للتعاون والمحبة بين كافة شعوب الحوض، لا سبباً للشقاق أو الأزمات السياسية التي تعطل مسيرة القارة نحو الرخاء.

0 تعليقات