![]() |
| خالد الجندى |
قدم الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، رؤية فكرية موسعة وعميقة حول مفهوم الحرية في الإسلام الصحيح والمنضبط شرعاً.
مؤكداً خلال حلقة جديدة من برنامجه الشهير "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة "dmc"، أن التعاليم الإسلامية السامية جاءت أساساً لتكريم بني آدم.
وأن الإسلام منح الإنسان مساحة واسعة جداً من حرية الاختيار والارادة، بعيداً كل البعد عن أساليب الإكراه أو السيطرة الفكرية والمادية والجسدية.
حقيقة غزوات النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عن الحرية
أوضح الجندي أن ما قام به النبي الكريم من غزوات نبوية لم يكن يهدف أبداً لفرض النفوذ العسكري أو التوسع الجغرافي كما يروّج البعض.
وإنما كان الهدف الأساسي والجوهري من هذه التحركات هو الدفاع عن حرية البشر وصون كرامتهم المهدورة من قبل الطغاة والجبابرة في ذلك الزمان الغابر.
لافتاً إلى أن الرسائل التي بعثها النبي إلى الملوك والأمراء ركزت بشكل أساسي على حماية رعاياهم، ومنحهم الحق الأصيل في اختيار معتقداتهم الدينية بكل حرية.
دلالات رسالة النبي لعظيم القبط وتحميل الحكام المسؤولية
واستشهد الشيخ خالد الجندي برسالته الشهيرة لـ عظيم القبط في مصر والتي نصت على: "أسلم تسلم، وإلا فعليك إثم الأقباط" بوضوح تام.
مشيراً إلى أن هذه الرسالة النبوية كانت بمثابة تحميل صريح ومباشر للحكام مسؤولية حماية شعوبهم من الاضطهاد الديني أو المنع من اعتناق الحق والعدل.
والإسلام يرفض تماماً أن يكون الحاكم حائلاً بين المرء وقلبه، ويؤكد على أن الأمانة السياسية تقتضي توفير مناخ ملائم لممارسة الشعائر دون خوف أو وجل.
الهجرة إلى الحبشة كشاهد تاريخي على حرية الاعتقاد
وأضاف الجندي أن واقعة الهجرة إلى الحبشة تعد واحدة من أبرز وأهم الشواهد التاريخية على رسوخ مبدأ حرية الاعتقاد في الفكر الإسلامي المبكر.
إذ لجأ إليها المسلمون الأوائل بحثاً عن الأمان المفقود و حرية ممارسة شعائرهم الدينية دون ضغوط أو اضطهاد من كفار مكة الذين حاربوا الفطرة الإنسانية.
وهو ما يؤكد قطعاً أن الحرية الدينية ركن أصيل وثابت في الفكر الإسلامي، وليست مجرد شعار حديث أو طارئ على الثقافة الإسلامية والحضارة العربية المجيدة.
القرآن الكريم يؤصل لمبدأ "لا إكراه في الدين"
أشار الجندي إلى أن القرآن الكريم أكد هذا المبدأ العظيم في آيات كثيرة ومحكمة، مثل قوله تعالى الواضح: "لا إكراه في الدين" كقاعدة شرعية ثابتة.
وكذلك قوله سبحانه لنبيه الكريم: "وما أنت عليهم بوكيل"، موضحاً أن أي معتقد ديني يُفرض بـ أسلوب الإكراه يفقد قيمته الروحية والجمالية والأخلاقية فوراً.
وأن جوهر الإيمان الحقيقي ينبع بالأساس من القناعة الحرة والداخلية، وليس من الانصياع الخارجي الناتج عن الخوف أو التهديد أو الوعيد المادي أو المعنوي.
مواجهة الفكر المتطرف وتعزيز وعي الإنسان
وقال إن الإسلام منح الإنسان القدرة الكاملة على اتخاذ قراراته المصيرية وتحمل مسؤولية اختياره أمام الله عز وجل وأمام المجتمع والناس أجمعين.
والنصوص الشرعية تقف بحزم وقوة في وجه أساليب الجماعات المتطرفة التي تعلّم أتباعها الخضوع الأعمى والانقياد التام وراء القيادات دون وعي أو تفكير.
مؤكداً أن الإسلام الحنيف يريد بناء إنسان حر يعي جيداً اختياراته ويدرك معنى كرامته الإنسانية، ويرفض أن يكون مجرد أداة في يد قوى الظلام الفكري.
العلاقة بين العقيدة والكرامة الإنسانية في الإسلام
واختتم الجندي حديثه بالتأكيد على أن الرسالة الإسلامية جمعت بعبقرية بين العقيدة الصافية والكرامة الإنسانية، فلا إيمان حقيقي بلا كرامة ولا كرامة بلا حرية.
وأن دور المسلم الحقيقي في المجتمع هو حماية حرية الآخرين، وليس ممارسة الوصاية الفكرية عليهم أو التحكم المتعمد في خياراتهم الشخصية والحياتية واليومية المعتادة.
والتعددية الدينية والفكرية هي سنة إلهية في الكون، والمسلم مطالب بـ التعايش السلمي واحترام الرأي الآخر، عملاً بمبادئ الوسطية والاعتدال التي نادى بها الأزهر الشريف.
أهمية الخطاب الديني المستنير
يرى الشيخ خالد الجندي أن الخطاب الديني المستنير يجب أن يركز على إبراز الجوانب الإنسانية والجمالية في الإسلام، وتفنيد الأكاذيب المنسوبة للدين الحنيف.
فالشباب اليوم يحتاج لوعي ديني يربط بين النص والواقع، ويشجعه على البحث والتفكير بدلاً من الحفظ والتلقين الجامد الذي لا يبني شخصية قوية أو مبدعة.
إن برنامج "لعلهم يفقهون" يسعى جاهداً لفتح آفاق جديدة من المعرفة الإسلامية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تسببت في تشويه صورة الإسلام أمام العالم في العقود الماضية.
الإسلام ومنظومة حقوق الإنسان العالمية
تؤكد رؤية الجندي أن الإسلام سباق في وضع أسس حقوق الإنسان قبل المواثيق الدولية بقرون طويلة، حيث اعتبر الحرية حقاً مقدساً لا يجوز التعدي عليه مطلقاً.
وهذا يتوافق مع رؤية الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة، التي تضع بناء الإنسان وكرامته على رأس أولوياتها الوطنية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في كافة المجالات.
إن التناغم بين القيم الدينية والقيم الوطنية يعزز من التماسك الاجتماعي، ويخلق مجتمعاً قوياً قادراً على مواجهة التحديات العالمية بروح ملؤها الثقة والحرية والمسؤولية الأخلاقية.
دور المؤسسات الدينية في حماية الحريات
يلعب المجلس الأعلى للشئون الإسلامية والأزهر الشريف دوراً محورياً في حماية الحريات الفكرية، من خلال إصدار الفتاوى والبحوث التي تؤصل لقيم التسامح وقبول الاختلاف.
وتمثل مشاركة العلماء مثل خالد الجندي في البرامج الجماهيرية وسيلة فعالة لنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة، والرد على شبهات الملحدين والمتطرفين على حد سواء بأسلوب علمي .
إن معركة الوعي هي المعركة الأهم، والحرية هي السلاح الأقوى في مواجهة الأفكار الهدامة التي تسعى لتمزيق الأوطان باسم الدين، وهو منها براء تماماً ويقيناً.
فهم متجدد للحرية والمسؤولية في الإسلام
يظل حديث الشيخ خالد الجندي حول الحرية صرخة في وجه كل من يحاول تحجيم دور العقل أو مصادرة حق الإنسان في التفكير والتدبر والبحث.
إن الإسلام سيبقى دائماً دين الحرية والجمال، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم ستظل هي المنار الذي يهتدي به الباحثون عن الحقيقة في كل زمان ومكان بمصر والعالم.
نسأل الله أن يحفظ عقولنا وقلوبنا، وأن يرزقنا الفهم الصحيح لـ تعاليم الدين الحنيف، وأن يوفق علماءنا لما فيه خير البلاد والعباد ونفع الإنسانية جمعاء في المستقبل القريب.
انتظرونا في حلقات قادمة لنستكمل معاً رحلة البحث عن أسرار القرب من الله وفهم مقاصد الشريعة الإسلامية بأسلوب عصري يناسب تطلعات جيل الواعي والمثقف والمنطلق.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”