![]() |
| الرئيس عبد الفتاح السيسى |
من قلب التاريخ وأمام عظمة الأهرامات الخالدة، شهد العالم اليوم السبت 1 نوفمبر 2025 (والممتد صداه لعام 2026)، اللحظة التي انتظرها الملايين؛ حيث افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي رسمياً المتحف المصري الكبير (GEM).
في مشهد مهيب جمع بين 79 وفداً دولياً، وجه الرئيس رسالة "أرض مصر الطيبة" للعالم أجمع، معلناً أن هذا الصرح ليس مجرد مخزن للآثار، بل هو جسر للسلام ومنارة للمعرفة الإنسانية. الافتتاح الذي حضره ملوك ورؤساء وأمراء من كافة قارات العالم، يمثل شهادة ميلاد جديدة لريادة مصر الثقافية، ويؤكد أن الدولة المصرية نجحت في تشييد أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة بجهود وسواعد أبنائها.
فما هي الرسائل المبطنة في تدوينة الرئيس السيسي؟ وكيف تحول الافتتاح إلى تظاهرة سياسية ودبلوماسية عالمية؟ وما هي الكنوز التي حبست أنفاس القادة داخل أروقة "الجمهورية الجديدة"؟ رحلة في كواليس يوم الافتتاح الذي أعاد صياغة مفهوم المتاحف في الذاكرة البشرية.
رسالة السيسي من أرض الحضارة
بكلمات تحمل عبق التاريخ وثقة الحاضر، رحب الرئيس السيسي بضيوف مصر عبر صفحته الرسمية، واصفاً مصر بـ "مهد الحضارة الإنسانية". الرئيس ركز في رسالته على فكرة "الوحدة الإنسانية"، معتبراً أن المتحف المصري الكبير هو ملك لكل مؤمن بقيم السلام والمحبة والتعاون بين الشعوب.
هذه اللغة الدبلوماسية الراقية تعكس رؤية الدولة المصرية في استخدام "القوة الناعمة" كأداة للتواصل مع العالم، السيسي لم يتحدث فقط عن الحجر والآثار، بل تحدث عن "عبقرية المصري القديم وإبداع المصري المعاصر"، في إشارة واضحة إلى أن المتحف هو نتاج تلاحم بين جيلين تفصل بينهما آلاف السنين، لكن يجمعهما ذات الشغف بالإتقان والخلود.
حضور دولي وقادة العالم في الجيزة
لم يكن الافتتاح حدثاً محلياً، بل تحول إلى "قمة عالمية" مصغرة. مشاركة 79 وفداً رسمياً، من بينهم 39 ملكاً ورئيساً، تعكس الوزن الاستراتيجي لمصر في المجتمع الدولي. القادة الذين تجولوا في ردهات المتحف أعربوا عن ذهولهم من ضخامة الإنجاز ودقة التفاصيل.
وجود هذا الحشد من رموز العالم في مكان واحد بالقرب من أهرامات الجيزة، يبعث برسالة طمأنينة عن استقرار مصر وأمنها، ويؤكد أن القاهرة لا تزال هي المحور الذي يلتف حوله العالم عندما يتعلق الأمر بالثقافة والتاريخ. إنها لحظة استثنائية أعادت لمصر بريقها كوجهة أولى للدبلوماسية الثقافية العالمية في عام 2025.
المتحف الكبير كمعلم فني عالمي
أكد الرئيس السيسي أن المتحف يضيف لعالم الثقافة والفنون "مَعلماً جديداً". وبالفعل، فإن التصميم المعماري للمتحف المصري الكبير يتجاوز بمراحل كونه مبنى للعرض؛ فهو تحفة هندسية تعتمد على الخطوط الحادة والمساحات الشاسعة التي تتماشى مع زوايا الأهرامات الثلاثة.
الواجهة الرخامية العملاقة، والدرج العظيم الذي يضم تماثيل الملوك العظام مثل رمسيس الثاني، كلها عناصر تجعل الزائر يشعر بالرهبة والجلال، هذا المعلم صُمم ليكون تفاعلياً، حيث تُستخدم فيه أحدث تكنولوجيات العرض الرقمي، مما يجعله "متحف القرن الحادي والعشرين" بامتياز، قادراً على جذب الأجيال الجديدة المهتمة بالتكنولوجيا بقدر اهتمامها بالتاريخ.
كنوز توت عنخ آمون والملوك العظام
داخل جنبات المتحف، تتربع مجموعة الملك الذهبي توت عنخ آمون كدرة للتاج. لأول مرة، تُعرض المجموعة الكاملة للملك الشاب في قاعات مخصصة تحكي قصة حياته وموته وخلوده. القادة والضيوف توقفوا طويلاً أمام القناع الذهبي والتابوت والكرسي الملكي، في رحلة عبر الزمن تبرز رقي الفنون المصرية القديمة.
إلى جانب "توت"، تبرز تماثيل ملوك الدولة الحديثة ورؤوس ملوك الدولة القديمة، في تناغم تاريخي يغطي أكثر من 7000 عام. الدولة المصرية بذلت جهوداً مضنية في عمليات الترميم والنقل التي استمرت لسنوات، لضمان ظهور هذه الكنوز في أفضل صورة ممكنة تليق باسم مصر أمام ضيوفها الكبار.
إبداع المصري المعاصر وسواعد البناء
في كلمته، أعرب الرئيس السيسي عن فخره بكل مصري ساهم في بناء هذا الصرح. إن إنشاء المتحف المصري الكبير هو ملحمة "تحدي" مصرية؛ حيث شارك فيه آلاف المهندسين والعمال والآثاريين المصريين.
السيسي أراد أن يقول للعالم إن "مصر الجديدة" قادرة على تنفيذ المستحيل، هذا المشروع الذي تطلب استثمارات ضخمة وتخطيطاً دقيقاً، هو دليل على قوة الدولة وقدرتها على إدارة المشروعات القومية الكبرى بنجاح باهر. فخر الرئيس بالعامل المصري هو اعتراف بأن "الإنسان المصري" هو الكنز الحقيقي الذي صنع الحضارة القديمة وهو الذي يشيد الآن دعائم المستقبل.
رسالة سلام من أرض المحبة
شدد الرئيس على أن المتحف هو مكان يفخر به كل مؤمن بوحدة الإنسانية وقيم السلام. في ظل التوترات التي يشهدها العالم، تأتي مصر لتقدم "نموذجاً حضارياً" يدعو للتعاون والتقارب بين الشعوب. المتحف المصري الكبير ليس مجرد وجهة سياحية، بل هو "مركز حوار" تلتقي فيه الثقافات.
الضيوف الذين استمتعوا بوقتهم بين رحاب الماضي والحاضر، كما تمنى لهم الرئيس، حملوا معهم رسالة من القاهرة مفادها أن مصر ستبقى دائماً منارة للأمان والجمال، وأن الحفاظ على التراث العالمي هو مسؤولية جماعية تتصدرها مصر بكل فخر واعتزاز.
المتحف ومستقبل السياحة في 2025
يعد افتتاح المتحف المصري الكبير نقطة انطلاق جديدة لقطاع السياحة المصري. التوقعات تشير إلى أن هذا الصرح سيكون القوة الدافعة لتحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين الوافدين لمصر في عام 2025 وما بعده، بفضل موقعه الاستراتيجي بجوار الأهرامات وربطه بمطار سفنكس الدولي، أصبح المتحف "قلب" المنطقة السياحية الجديدة بالجيزة.
إن الرؤية التي طرحها الرئيس السيسي اليوم تضع مصر في منافسة مباشرة مع كبرى الوجهات الثقافية العالمية مثل باريس ولندن ونيويورك، متفوقة عليهم بامتلاكها لأقدم وأعرق حضارة عرفها التاريخ البشري، معروضة بأحدث أساليب العصر الحديث.
مصر تمضي نحو المستقبل
فإن افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي للمتحف المصري الكبير هو لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث. إنها اللحظة التي التقى فيها الماضي العريق بالمستقبل المشرق، لتثبت مصر للعالم أنها لا تموت، بل تجدد شبابها باستمرار.
"من أرض مصر الطيبة"، انطلقت اليوم صرخة فخر سمعها العالم أجمع، تؤكد أن "الجمهورية الجديدة" هي ابنة شرعية لحضارة السبعة آلاف عام.
ومع مغادرة الوفود الرسمية وبقاء الأبواب مفتوحة للإنسانية، يظل المتحف الكبير شاهداً حياً على أن إرادة المصريين قادرة على صنع المعجزات، وأن شمس الحضارة المصرية ستظل تشرق من الجيزة لتنير دروب الثقافة والمعرفة لكل شعوب الأرض.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”