![]() |
| المتحف المصرى الكبير |
في واحدة من أكثر الحكايات إثارة في تاريخ العمل الأثري الحديث، كشف الدكتور حسين عبد البصير، المشرف العام الأسبق على مشروع المتحف المصري الكبير، عن الكواليس المخفية لأعظم مشروع ثقافي في العصر الحالي. وتحدث عبد البصير عن التحديات "شبه المستحيلة" التي واجهت المرممين والمهندسين المصريين، وعلى رأسها عملية نقل تمثال رمسيس الثاني من قلب ضجيج القاهرة إلى هضبة الجيزة، في رحلة لم تكن مجرد نقل قطعة أثرية، بل كانت عملية إنقاذ لتاريخ ملك عظيم عانى لعقود من التلوث والاهتزازات. هذا الحوار، الذي جاء عبر برنامج "استديو إكسترا"، يفتح الستار عن عبقرية الإدارة المصرية في التعامل مع كنوز لا تقدر بثمن، لتستقر في أكبر متحف أثري مخصص لحضارة واحدة في العالم.
ملحمة نقل تمثال رمسيس الثاني: من الزحام إلى الخلود
أوضح الدكتور حسين عبد البصير أن قرار نقل تمثال الملك رمسيس الثاني من ميدانه الشهير بالقاهرة عام 2006 كان ضرورة أثرية قبل أن يكون قراراً تنظيمياً. التمثال، الذي يزن عشرات الأطنان، كان يواجه خطراً حقيقياً نتيجة انبعاثات السيارات واهتزازات مترو الأنفاق وحركة القطارات في محطة مصر. وأشار عبد البصير إلى أن تاريخ التمثال حافل بالرحلات؛ فقد بدأ من منطقة ميت رهينة بالبدرشين، ثم استقر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وسط القاهرة، وصولاً إلى مستقره الأخير في بهو المتحف المصري الكبير. عملية النقل الأخيرة كانت "تحدياً هندسياً فريداً" استلزم استخدام عربات مجهزة بتقنيات لامتصاص الاهتزازات، لضمان وصول رمسيس بسلام ليكون أول من يستقبل زوار المتحف الجديد.
المتحف المصري الكبير.. حلم النصف مليون متر مربع
أكد عبد البصير أن المشروع الذي انطلق رسمياً عام 2002 يمثل قمة الإنجازات الثقافية في القرن الحادي والعشرين. المتحف ليس مجرد مبنى لعرض الآثار، بل هو مؤسسة علمية وبحثية عالمية تمتد على مساحة نصف مليون متر مربع. الموقع الاستراتيجي بجوار أهرامات الجيزة يجعل من الزيارة تجربة فريدة تربط بين المعروضات المتحفية وبين عظمة البناء الأصلي على الهضبة. وأشار إلى أن هذا الصرح صُمم ليكون المركز العالمي الأول لدراسة التراث المصري القديم، حيث يضم أحدث معامل الترميم في الشرق الأوسط، قادرة على التعامل مع أدق التفاصيل الخشبية والنسيجية والمعدنية.
مجموعة توت عنخ آمون: العرض الكامل لأول مرة في التاريخ
من أبرز المفاجآت التي فجرها عبد البصير هي تفاصيل عرض كنوز "الملك الذهبي". فلأول مرة منذ اكتشاف المقبرة عام 1922، سيتم عرض المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، والتي تتخطى 5000 قطعة أثرية. وأوضح أن مساحة العرض المخصصة للملك الشاب تصل إلى 7500 متر مربع، وهو ما يعادل سبعة أضعاف المساحة التي كانت مخصصة له في متحف التحرير. هذا الفارق الشاسع في المساحة سيسمح للمتحف برسم "سيناريو عرض" يحكي قصة حياة الملك منذ ولادته، وألعاب طفولته، وصولاً إلى ملابسه وعرشه وأدواته الحربية، ليعيش الزائر تجربة بصرية وتاريخية متكاملة داخل الجناح الذهبي.
الدرج العظيم: رحلة عبر الزمن لستة طوابق
تحدث الدكتور حسين عبد البصير بإسهاب عن "الدرج العظيم"، وهو العنصر المعماري الأكثر إبهاراً داخل المتحف. يمتد هذا الدرج على ارتفاع يصل إلى ستة طوابق، ويضم مجموعة من أضخم التماثيل والأعمدة التي تحكي تاريخ الملوك والآلهة في مصر القديمة. وكشف عبد البصير أن بعض هذه القطع يصل وزنها إلى 25 طناً، مما استلزم بناء أرضيات وقواعد خرسانية مدعمة بتقنيات خاصة لتحمل هذه الأوزان الهائلة وضمان ثباتها للأبد. الصعود على الدرج العظيم يمثل رحلة بصرية تنتهي بلقاء الأهرامات عبر الواجهة الزجاجية العملاقة، في مشهد يربط الماضي بالحاضر.
معجزة نقل مركب الملك خوفو: عندما تفوق المصريون على التكنولوجيا اليابانية
من أكثر اللحظات فخراً في حديث عبد البصير كانت قصة نقل مركب خوفو الأولى. هذه المركب الخشبية التي اكتُشفت عام 1954 كانت تمثل كابوساً هندسياً لأي عملية نقل بسبب طولها وضعف خشبها القديم. وكشف عبد البصير أن بعض الفرق اليابانية رفضت في البداية فكرة نقلها "كتلة واحدة" دون تفكيك، نظراً لخطورة المهمة. ولكن بفضل كفاءة مصرية خالصة وتعاون مع خبراء دوليين، تم تصميم حاوية ذكية ومسار ممهد لنقل المركب من موقعها بجوار الهرم الأكبر إلى المتحف الكبير بنجاح باهر. وأضاف أن العمل جارٍ حالياً على ترميم مركب خوفو الثانية بالتعاون مع جامعة طوكيو، في عملية دقيقة قد تستغرق ما يصل إلى سبع سنوات لإعادتها إلى حالتها الأصلية.
كنوز البحر والمطرية.. تنوع المعروضات في المتحف العالمي
لم يقتصر الحديث على آثار الأقصر والجيزة، بل أشار عبد البصير إلى تنوع مصادر القطع في المتحف. فقد تم نقل عمود مريم المصنوع من الجرانيت من منطقة المطرية، بالإضافة إلى قطع رائعة تم انتشالها من أعماق البحار بالإسكندرية، مثل تمثالي ملك وملكة من العصر البطلمي (يُرجح أنهما بطليموس الثالث وبرينيكي). هذا التنوع يؤكد أن المتحف المصري الكبير هو سجل شامل لتاريخ مصر عبر العصور، من الدولة القديمة وحتى العصور المتأخرة، مما يجعله موسوعة بصرية للإنسانية جمعاء.
عبقرية المرمم المصري.. الجندي المجهول خلف الستار
وجه عبد البصير تحية خاصة للمرممين المصريين الذين عملوا في صمت خلال فترات صعبة، خاصة بين عامي 2011 و2013. وأوضح أن نقل 128 قطعة من مجموعة توت عنخ آمون خلال تلك الفترة كان مغامرة تتطلب أعصاباً حديدية ودقة متناهية. المرمم المصري اليوم يستخدم تقنيات "الليزر" و"الأشعة المقطعية" لفحص القطع قبل لمسها، وهو ما جعل معامل المتحف المصري الكبير قبلة للباحثين من كل دول العالم لتعلم فنون الحفظ والترميم.
المتحف المصري الكبير.. رسالة مصر للعالم
أكد الدكتور حسين عبد البصير أن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مشروع سياحي، بل هو "نقلة حضارية" تعيد تعريف علاقة الإنسان بتاريخه. إنه صرح عالمي يحكي قصة عبقرية المصريين القدماء بأدوات العصر الحديث. ومع اقتراب الافتتاح الكلي لهذا المشروع العملاق، سيقف العالم منحنياً أمام عظمة "رمسيس" الذي عاد لمقره الأصلي، وأمام "توت عنخ آمون" الذي سيخرج بكامل هيئته الذهبية ليبهج القلوب. إن المتحف المصري الكبير هو هدية مصر للعالم، وتأكيد على أن أرض الحضارة لا تزال قادرة على إبهار البشرية وصناعة المعجزات.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”