![]() |
| الشيخ خالد الجندى |
مفهوم الإعجاز عند خالد الجندي: ما هو أبعد من اللغة والبلاغة
أوضح الشيخ خالد الجندي أن كثيراً من الناس يحصرون إعجاز القرآن في "الفصاحة والبلاغة" فقط، وهذا قصور في الفهم. فالقرآن الكريم، وإن كان قد تحدى العرب في قمة بيانهم، إلا أن إعجازه يتمدد ليشمل كافة مناحي الحياة. وتحدث الجندي عن "الإعجاز التشريعي" الذي وضع قواعد للعدالة والمواريث والمعاملات لم تستطع القوانين الوضعية الوصول لدقتها رغم مرور قرون. كما أشار إلى "الإعجاز النفسي" الذي يخاطب الروح البشرية ويمنحها السكينة، و"الإعجاز الغيبي" الذي أخبر عن أحداث وقعت وستقع بدقة متناهية، مما يثبت أن هذا الكلام هو من لدن حكيم خبير لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
معجزات تتجلى مع كل عصر: لماذا القرآن "معاصر" دائماً؟
من أهم النقاط التي أثارها الجندي في حديثه هي "خاصية التجدد" في الإعجاز. وأكد أن القرآن الكريم يحتوي على معجزات خفية لا تظهر إلا بتطور العلوم البشرية. فكلما اكتشف العلم حقيقة في الفلك أو الطب أو الأجنة، وجدنا لها أصلاً وإشارة دقيقة في آيات الذكر الحكيم. هذا "الإعجاز العلمي" ليس محاولة لـ "أسلمة العلم"، بل هو دليل على أن خالق الكون هو نفسه منزل الكتاب. ويرى الجندي أن انشغال الأمة بالجدالات العقيمة صرفها عن رصد هذه التجليات التي تزيد المؤمن إيماناً وتلجم المتشككين بلسان الحق والبرهان.
التدبر كعلاج للصراعات الفكرية واللفظية
بأسلوبه الصريح والمباشر، انتقد الشيخ خالد الجندي انشغال الكثيرين في العصر الحالي بـ "خلافات وجدالات لا طائل منها"، مؤكداً أن هذه الصراعات اللفظية هي التي فرقت القلوب وأضعفت الأمة. ودعا الجندي إلى أن يكون القرآن الكريم هو المرجعية التي تتوحد عندها العقول، مشيراً إلى أن تدبر آيات الله كفيل بأن يغني الأمة عن الدخول في متاهات فكرية لا تنفع. التدبر، من وجهة نظر الجندي، هو عملية "تعديل سلوك" و"ترقية عقل"، فمن عاش مع القرآن تدبراً وفهماً، ترفعت نفسه عن الصغائر وصار قلبه أكثر رحمة واستيعاباً للآخر.
القرآن الكريم "منهج حياة" لا مجرد كتاب للتبرك
شدد عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية على أن حصر القرآن في كونه كتاباً "يُتلى على الأموات" أو "يُوضع في السيارات للتبرك" هو ظلم عظيم لهذا الدستور الإلهي. وأوضح أن القرآن هو منهج حياة شامل، ينظم علاقة الإنسان بخالقه من خلال العبادات، وعلاقته بالمجتمع من خلال الأخلاق والمعاملات. وأضاف الجندي: "من يتأمل في كلمات القرآن يجد فيه نور الهداية والسكينة"، مؤكداً أن تطبيق قيم الصدق والأمانة والعدل والعمل التي يحض عليها القرآن هي السبيل الوحيد لنهضة الأمة الحقيقية واستعادة ريادتها الحضارية.
"إعادة اكتشاف القرآن": دعوة لعقول واعية وقلوب مفتوحة
في ختام حديثه ببرنامج "لعلهم يفقهون"، أطلق الشيخ خالد الجندي دعوة "لإعادة اكتشاف القرآن الكريم". هذه الدعوة ليست موجهة لغير المسلمين فقط، بل للمسلمين أنفسهم الذين هجروا معاني القرآن رغم حفظهم لحروفه. وطالب الجندي الأجيال الجديدة بفتح عقولها لأسئلة القرآن، والبحث في أسراره الكونية، مؤكداً: "لو أن الأمة انشغلت بمعجزات القرآن كما ينبغي، لوجدت فيه ما يغنيها عن كل ما يفرقها ويشغلها عن رسالتها الحقيقية". إن القرآن، بحسب الجندي، هو "حبل الله المتين" الذي إذا تمسكت به الأمة بوعي، نجت من غيابات الجهل والفرقة.
دور الإعلام الديني في إبراز الإعجاز القرآني
يرى الشيخ خالد الجندي أن البرامج الدينية مثل "لعلهم يفقهون" تتحمل مسؤولية كبيرة في تبسيط مفاهيم الإعجاز للعامة وربطها بالواقع. الإعلام الديني يجب أن ينتقل من "مرحلة التلقين" إلى "مرحلة التفكير"، وهو ما يحاول الجندي فعله من خلال طرح قضايا تجعل المشاهد يتساءل ويتأمل. إن إبراز إعجاز القرآن في العصر الرقمي يتطلب أدوات جديدة ولغة خطاب معاصرة تفهم لغة العلم وتخاطب الشباب بلغتهم، وهو ما يسعى إليه الجندي لضمان بقاء الرسالة القرآنية حاضرة ومؤثرة في نفوس الأجيال الصاعدة.
بلاغة التحدي: لماذا عجز الإنس والجن عن المعارضة؟
تطرق الجندي إلى "آية التحدي" في القرآن، موضحاً أن الله تعالى تحدى البشرية بأن تأتي بمثله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة، بل وبمثله في الأثر والوقع. وأكد أن سر العجز البشري يكمن في "السبك الإلهي" للكلمات؛ حيث لا يمكن استبدال كلمة بأخرى دون أن يختل المعنى أو يضعف الوقع. هذا الإحكام اللغوي هو "صناعة إلهية" تفوق قدرات العقل البشري المحدودة بالزمان والمكان. إن عجز "الفصحاء" قديماً و"العلماء" حديثاً عن الإتيان بمثل القرآن هو أكبر دليل مادي وملموس على أن هذا الكتاب هو "وحي" وليس "تأليفاً".
القرآن.. رسالة الله الدائمة للبشرية
يظل حديث الشيخ خالد الجندي عن إعجاز القرآن بمثابة جرس إنذار للأمة لتستيقظ من غفلتها وتعود إلى مصدر قوتها الحقيقي. إن القرآن الكريم سيظل المعجزة الخالدة التي لا تبلى، والمنهل العذب الذي لا يرتوي منه العلماء. إن دعوة الجندي للتدبر هي دعوة للحرية، والكرامة، والتقدم؛ فمن فهم القرآن فهم الكون، ومن عمل بالقرآن ملك الدنيا والآخرة. فلنجعل من كلمات الله بوصلتنا في هذا الزمان الصعب، ولنفتش في آياته عن "النور" الذي يبدد ظلمات الفتن ويقودنا إلى بر الأمان.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”