🌍 Translate

كود اعلان

لماذا رفض نجيب محفوظ تجسيد شادية لشخصيات روايته؟ وسر انبهاره الأسطوري بها في زقاق المدق

الفنانة شادية والأديب نجيب محفوظ في كواليس تصوير رواياته
الفنانة شادية والأديب نجيب محفوظ في كواليس تصوير رواياته

تميزت الفنانة الراحلة شادية، بقدرتها الكبيرة الفائقة على تقمص الشخصيات المركبة التي كانت تؤديها في أعمالها الفنية الخالدة، وأن تضفي عليها طابعاً خاصاً بها يميزها عن غيرها من نجمات جيلها. دلوعة السينما المصرية برعت في تقديم الكوميدي والتراجيدي ببراعة منقطعة النظير، وفي الوقت نفسه استطاعت بذكاء فني حاد تقديم دور "بنت البلد" الشعبية بأصالة مذهلة. وكان من أكثر الأدوار اللافتة والمثيرة للجدل التي أدتها شادية هو دور "حميدة"، في فيلم "زقاق المدق"، والمأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للأديب العالمي نجيب محفوظ. هذا الدور بالتحديد كان نقطة تحول ليس فقط في مشوار شادية، بل في نظرة صاحب نوبل لممثلات السينما المصرية وقدرتهن على محاكاة خياله الأدبي الخصب.

تخوف نجيب محفوظ وترشيح فاتن حمامة البديل

والغريب في الأمر، والذي لا يعلمه الكثيرون، أن الأديب نجيب محفوظ كان متخوفاً للغاية من أداء شادية للدور في البداية، بل وكان يرفض فكرة تجسيدها لشخصياته الروائية العميقة. كان محفوظ يرى بذكائه الأدبي أن الشخصيات التي يرسمها على الورق تحتاج لمواصفات معينة، وكان يميل في مخيلته إلى أن تقوم الفنانة فاتن حمامة بتجسيد دور "حميدة" بدلاً منها، ظناً منه أن ملامح فاتن وقدراتها التراجيدية المعروفة هي الأنسب لتعقيدات الشخصية. ولكن، بمجرد أن بدأ العمل ووقف أمام الكاميرات، لم تلبث شادية أن تصبح الأيقونة الحية لشخصيات رواياته، بل واستطاعت بأدائها العبقري أن تجعل من هذه الروايات علامات بارزة في قائمة أفضل 100 فيلم بالسينما المصرية، متجاوزة بذلك كل التوقعات المسبقة.

كواليس الانبهار: كيف تحولت "حميدة" من ورق إلى لحم ودم؟

كان نجيب محفوظ حريصاً بشكل غير معتاد على حضور بروفات عمل شادية في الفيلم، والتقطت له عدة صور نادرة داخل الكواليس وهو يراقب بتركيز شديد تحركات "الدلوعة". وعلق محفوظ لاحقاً على أداء شادية بكلمات سجلها التاريخ الفني، قائلاً: "شادية جعلتني أشاهد حميدة على الشاشة، وكنت أشعر بكل خلجة من خلجات حميدة تمشي أمامي على الرغم من تخوفي الشديد من قدرتها على تجسيد الدور منذ ترشيحها له". هذا الاعتراف من أديب بحجم محفوظ لم يكن سهلاً، فهو بمثابة شهادة ميلاد جديدة لشادية كـ "ممثلة قديرة" بعيداً عن أدوار البنت الجميلة أو المطربة الرقيقة، حيث لمس فيها العمق الإنساني الذي قصده في روايته.

شهادة نجيب محفوظ في قدرة شادية الفائقة

وأضاف محفوظ في مذكراته وتعليقاته الفنية: "شعرت لأول مرة أن الشخصية التي رسمتها على الورق أصبحت حقيقية من لحم ودم لتتحرك أمامي على الشاشة، وكانت حميدة في زقاق المدق صورة لقدرة فائقة للفنانة لا أتصور غيرها قادراً على الإتيان بها". إبداع شادية في تقديم "حميدة" تمثل في قدرتها على تجسيد الطموح الجارف الممزوج بالتمرد والفقر، وهي خلطة نفسية معقدة برع محفوظ في كتابتها، وبرعت شادية في "تشخيصها" لتجعل المشاهد يتعاطف مع الشخصية رغم أخطائها، وهو أقصى درجات النجاح الفني الذي يطمح له أي مؤلف.

الفنانة شادية والأديب نجيب محفوظ في كواليس تصوير رواياته
الفنانة شادية 

سلسلة التعاون الذهبي بين شادية وصاحب نوبل

بعد النجاح الساحق في "زقاق المدق"، انكسر حاجز الخوف لدى نجيب محفوظ، وأصبح يرى في شادية "التميمة" القادرة على نقل فلسفته للجمهور العريض. وبدأ التعاون المثمر بينهما في سلسلة من التحف السينمائية، بدأت بفيلم "اللص والكلاب" الذي أنتج عام 1962، حيث قدمت دور "نور" ببراعة فائقة، ثم جاء "زقاق المدق" عام 1963 ليتوج هذا التعاون. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استمر في فيلم "الطريق" عام 1964، وصولاً إلى رائعة "ميرامار" في عام 1969، حيث جسدت شخصية "زهرة" التي اعتبرها النقاد رمزاً لمصر في تلك المرحلة، لتؤكد شادية أنها "بطلة نجيب محفوظ" المفضلة بلا منازع.

لماذا تفوقت شادية على فاتن حمامة في عقل محفوظ؟

يرى النقاد أن سر تفوق شادية في تجسيد عالم محفوظ يكمن في "التلقائية الشعبية" التي تمتلكها. فبينما كانت فاتن حمامة تميل للأداء المدروس والهادئ، كانت شادية تمتلك "شيطنة" فنية وقدرة على التلون بين الانكسار والتمرد، وهي صفات أساسية في بطلات نجيب محفوظ اللواتي يخرجن من حارات القاهرة العتيقة. شخصيات نجيب محفوظ ليست مجرد أدوار، بل هي نماذج بشرية تعاني من صراعات طبقية ونفسية، وشادية بملامحها المصرية الخالصة وصوتها القريب من القلب كانت الأقدر على لمس هذا الجانب وجعله واقعاً ملموساً يصدقه البسطاء والمثقفون على حد سواء.

أثر روايات نجيب محفوظ على نجومية شادية

لا يمكن إنكار أن تعاون شادية مع نجيب محفوظ نقلها من مربع "النجمة المحبوبة" إلى مربع "الفنانة العظيمة". هذه الأفلام هي التي ضمنت لشادية الخلود في ذاكرة السينما الجادة، حيث سمحت لها الروايات باستعراض طاقات تمثيلية لم تكن تظهر في الأفلام الغنائية الخفيفة. السينما المصرية مدينة لهذا الثنائي بتقديم نماذج سينمائية تدرس حتى الآن في معاهد التمثيل، حيث يظل أداء شادية في "ميرامار" و"اللص والكلاب" مرجعاً لكل ممثلة تريد تجسيد المرأة المصرية بكل تعقيداتها وكبريائها.

 شادية هي "الروح" التي بحث عنها محفوظ

تظل قصة رفض نجيب محفوظ الأولي لشادية ثم انبهاره اللاحق بها، درساً في كيفية اكتشاف الموهبة وتطويرها. لقد كانت شادية هي "الروح" التي بحث عنها محفوظ طويلاً لتسكن شخصياته الورقية. نحن في الحقيقة نيوز نعتز بتقديم هذه الصفحات المضيئة من تاريخ "فن زمان"، لنذكر الأجيال الجديدة بعظمة رموزنا الذين صنعوا وجداننا الفني. الترقب والحذر من نسيان هذا التراث هو واجبنا، في انتظار تسليط الضوء على قصص أخرى تبرز جوانب خفية من حياة عمالقة الفن الذين أثروا حياتنا بأعمالهم الصادقة.

إرسال تعليق

0 تعليقات