🌍 Translate

كود اعلان

بين الموت والحياة.. مها صبري تروي أسرار غيبوبتها الطويلة ومعجزة النور في الكعبة المشرفة

الفنانة الراحلة مها صبري بملامحها الهادئة
الفنانة الراحلة مها صبري بملامحها الهادئة

تعتبر الفنانة الراحلة مها صبري واحدة من أجمل وألمع نجمات السينما المصرية في العصر الذهبي وفترة الثمانينات، حيث جمعت بين الموهبة التمثيلية الفذة والصوت الدافئ والحضور الطاغي. ولكن بعيداً عن أضواء الشهرة والبلاتوهات، كانت حياة مها صبري مليئة بالمحطات الإنسانية والروحانية الصادمة التي لم يكشف عن الكثير منها إلا في سنواتها الأخيرة. ومن أبرز هذه المحطات، تجربتها القاسية مع المرض التي وصلت بها إلى حافة الموت، ودخولها في غيبوبة عميقة رأت خلالها ما لم يره أحد، لتخرج منها بقرار مفاجئ بتغيير مسار حياتها والتوجه إلى بيت الله الحرام في رحلة حج وُصفت بأنها "إعجازية" بكل المقاييس الطبية.

ثلاثة أيام في الغيبوبة.. كيف عاشت مها صبري في نعيم الله؟

روت مها صبري في مذكراتها وتصريحاتها النادرة عن محنة مرضية شديدة تعرضت لها، حيث خضعت لعملية جراحية دقيقة وحرجة، تسببت في دخولها في غيبوبة كاملة استمرت لمدة ثلاثة أيام. وفي الوقت الذي كانت فيه أسرتها والوسط الفني يعيشون حالة من الرعب والانهيار، حيث بدأ المقربون منها في قراءة القرآن الكريم بجانب سريرها والتشاور حول إجراءات الدفن والجنازة ظناً منهم أن حياتها انتهت، كانت مها تعيش تجربة مختلفة تماماً. وصفت الفنانة تلك اللحظات بأنها لم تشعر بأي ألم، بل كانت في حالة من السعادة الغامرة والراحة النفسية التي لا توصف، مؤكدة أنها كانت تشعر بأنها في "معية الله" وفي نعيم لا يشبه نعيم الدنيا.

تحذيرات الأطباء ومعجزة الاستشفاء السريع

بعد إفاقتها من الغيبوبة، خرجت مها صبري من المستشفى وسط ذهول الأطباء الذين اعتبروا عودتها للحياة معجزة في حد ذاتها. ومع ذلك، وجه لها الفريق الطبي تحذيرات شديدة بضرورة الراحة التامة، مؤكدين أنها لن تستطيع العودة لممارسة حياتها الطبيعية أو بذل أي مجهود بدني إلا بعد مرور عام كامل على الأقل نظراً لخطورة الجراحة وضخامة الجرح. ولكن القدر كان يخبئ لمها صبري ترتيبات أخرى، حيث لم يمر سوى ستة أشهر فقط حتى شعرت بنداء داخلي يلح عليها لزيارة الأراضي المقدسة، وهو القرار الذي اعتبره المحيطون بها في ذلك الوقت "انتحاراً" طبياً.

كواليس رحلة الحج الإعجازية وصداقة علية الجعار

جاءت نقطة التحول عندما زارتها الشاعرة الكبيرة علية الجعار في منزلها، وعرضت عليها اصطحابها في رحلة الحج، وكان ذلك قبل إغلاق باب رحلات الطيران بيومين فقط. في البداية، شعرت مها بالخوف والتردد بسبب ضعف حالتها الصحية، لكن إصرار ابنها الذي وفر لها تذكرة الطيران وشجعها على السفر كان الدافع الأكبر. وبالفعل، شدت مها صبري الرحال إلى مكة المكرمة، وهي لا تدري كيف ستقوى على أداء المناسك، لكن اليقين والإيمان كانا وقودها في تلك الرحلة التي غيرت نظرتها للحياة والوجود بشكل كامل.

النور العجيب في الكعبة.. لحظة البكاء بالدموع

تحدثت مها صبري بفيض من الشجن والخشوع عن لحظة دخولها للحرم المكي للمرة الأولى. وقالت إنها بمجرد أن وطأت قدماها صحن الطواف ورأت الكعبة المشرفة، انهمرت دموعها بغزارة لم تعهدها من قبل. وأكدت مها أنها رأت في تلك اللحظة نوراً عجيباً وغريباً يخرج من الكعبة ويملأ المكان، وهو نور لم تره عينها في أي إضاءة دنيوية. وظلت تردد وسط شهقات البكاء: "إيه الجمال ده؟ إيه الجمال ده؟"، وشعرت في تلك اللحظة وكأن الله سبحانه وتعالى قد أنار لها السماء والأرض خصيصاً لتستقبلها في بيته الحرام، وهو شعور بالسكينة محا كل أوجاع المرض وسنوات الغيبوبة.

تأثير التجربة الروحانية على مسيرة مها صبري الفنية

لم تكن رحلة الحج مجرد أداء لفريضة، بل كانت إعادة صياغة لشخصية مها صبري. فقد عادت من الأراضي المقدسة بروح مختلفة، حيث بدأت في الابتعاد تدريجياً عن صخب الوسط الفني والتركيز على الأعمال التي تحمل رسائل إنسانية. ويرى المقربون منها أن تلك التجربة جعلتها أكثر زهداً في الدنيا وأكثر قرباً من الله، حيث كانت تحرص دائماً على تذكير زملائها بأن الحياة زائلة وأن ما يبقى هو العمل الصالح. هذه التحولات الروحية جعلت جمهورها ينظر إليها بتقدير مضاعف، ليس كفنانة جميلة فحسب، بل كإنسانة خاضت تجربة "الموت والعودة" وخرجت منها بقلب سليم.

الدروس المستفادة من حكاية مها صبري مع الغيبوبة

إن قصة مها صبري تقدم درساً بليغاً في الإيمان والرضا بالقضاء والقدر. فالحالة التي وصفتها أثناء الغيبوبة بأنها كانت في "نعيم"، تعطي أملاً لكل من يخشى المرض أو الفقد. كما أن إصرارها على الحج رغم التحذيرات الطبية يثبت أن الروح عندما تقرر، فإن الجسد ينصاع لقوتها. مها صبري التي رحلت عن عالمنا تاركة إرثاً فنياً كبيراً، تظل حكايتها مع النور الإلهي في الحرم المكي واحدة من أكثر القصص إلهاماً في تاريخ نجوم الفن، تذكرنا دائماً بأن خلف كل ألم جسدي قد يكمن فتح روحاني عظيم.

رحلة فنانة سكنها الإيمان

 تبقى مها صبري أيقونة فنية وإنسانية فريدة من نوعها. فبين الغيبوبة التي ظنها الناس موتاً وبين النور الذي رأته تحت أستار الكعبة، رحلة طويلة من البحث عن الذات والسكينة. رحلت مها صبري بجسدها، لكن بقيت قصتها مع "النور" تضيء دروب المحبين، وتؤكد أن الفن الحقيقي هو الذي لا ينفصل عن الإنسانية والروحانية. رحم الله فنانتنا الكبيرة التي رأت الجمال الحقيقي في بيت الله، وعادت لتخبرنا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن اليقين هو المعجزة التي تشفي الأجساد والقلوب معاً.

إرسال تعليق

0 تعليقات