تعد الفنانة ثريا فخري واحدة من أبرز الوجوه التي تركت بصمة لا تنسى في تاريخ السينما المصرية، فرغم أنها لم تحصل يوماً على دور البطولة المطلقة، إلا أن حضورها كان طاغياً وصوت ضحكتها الرنانة كان كفيلاً بإضفاء حالة من البهجة على أي مشهد تشارك فيه. اشتهرت بتقديم دور الدادة الحنونة، وهو القالب الذي حصرها فيه المنتجون والمخرجون لسنوات طويلة، لكن خلف هذا الوجه المبتسم كانت تكمن قصة حياة مليئة بالتحولات، بدأت من جبال لبنان وانتهت في رمال القاهرة، تاركة خلفها إرثاً فنياً كبيراً وجدلاً لم ينقطع حتى بعد رحيلها بعقود.
من زحلة إلى القاهرة.. بدايات ثريا فخري الصعبة
ولدت الفنانة ثريا فخري في مدينة زحلة اللبنانية لأسرة متوسطة الحال تعتنق الديانة اليهودية، وكان والدها يعمل في تجارة الأقمشة. بدأت تظهر ميولها الفنية منذ الصغر من خلال مشاركتها في فرق التمثيل المدرسية، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، حيث تعرض والدها لضائقة مالية شديدة أجبرته على ترك لبنان والهجرة إلى مصر بحثاً عن الرزق. في سن الخامسة والعشرين، وجدت ثريا نفسها في مواجهة واقع جديد في القاهرة، وبسبب ظروف أسرتها المادية، لم تستطع إكمال تعليمها وقررت اقتحام عالم الفن لتساعد والدها في تدبير نفقات المعيشة.
فرقة علي الكسار وفيلم العزيمة.. انطلاقة ملكة الضحك
كانت البداية الحقيقية لـ ثريا فخري من خلال انضمامها لفرقة الفنان الكوميدي الكبير علي الكسار، حيث صقلت موهبتها على خشبة المسرح وتعلمت كيفية التعامل مع الجمهور المصري. أما انطلاقتها السينمائية الكبرى، فكانت في عام 1939 من خلال مشاركتها في فيلم العزيمة، الذي يعتبره النقاد بداية السينما الواقعية في مصر. ومنذ ذلك الحين، توالت أعمالها الفنية لتقدم مئات الأفلام، وبرعت في تجسيد دور المربية أو الدادة التي تجمع بين الطيبة والذكاء الفطري، وأصبحت ضحكتها الشهيرة بمثابة علامة مسجلة باسمها في أذهان الملايين.
ثلاث زيجات في حياة ثريا فخري ونهايات مأساوية
مرت الحياة الشخصية للفنانة ثريا فخري بمحطات عاطفية متعددة، حيث تزوجت ثلاث مرات. كانت الزيجة الأولى من محاسب الفنانين الشهير محمد توفيق، لكنها لم تستمر طويلاً وانتهت بالانفصال الهادئ. أما الزيجة الثانية فكانت من شاب مصري يُدعى نبيل دسوقي، وعاشت معه فترة استقرار استمرت 7 سنوات، إلا أن القدر فرق بينهما بوفاته إثر إصابته بمرض خبيث. تزوجت للمرة الثالثة من الممثل فؤاد فهيم، واستمر زواجهما أيضاً لمدة 7 سنوات حتى رحل عن عالمنا، وترك لها ثروة ضخمة من العقارات والأموال، لتجد نفسها وحيدة دون ونيس أو وريث.

الفنانة ثريا فخري في أحد الأفلام
حقيقة اتهام ثريا فخري بكره الإسلام والانضمام لتنظيمات سرية
بعد وفاتها، لاحقت الفنانة ثريا فخري شائعات قاسية، ادعى بعضها أنها كانت تكره الإسلام نظراً لخلفيتها الدينية اليهودية، بل وذهبت بعض الروايات إلى اتهامها بالانضمام لتشكيل يهودي سري يعمل ضد مصالح الدولة المصرية. إلا أن العديد من النقاد والمؤرخين الفنيين فنّدوا هذه الادعاءات، مؤكدين أنها مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة، والهدف منها هو تشويه سمعة فنانة عاشت وأخلصت لتراب مصر. وأكد المقربون منها أنها كانت تتعامل بمودة واحترام شديد مع زملائها المسلمين، ولم يظهر منها يوماً ما يشير إلى أي توجهات سياسية أو عدائية.
لغز الجثمان المفقود وسر التبرع بالثروة للأوقاف
من أغرب الشائعات التي انتشرت حولها هي اختفاء جثمانها أو عدم معرفة مكان دفنها، وهو ما نفاه النقاد جملة وتفصيلاً، مؤكدين أنها توفيت وفاة طبيعية وشُيعت جنازتها في هدوء. أما الدليل الأكبر على حبها لمصر وانتمائها لها، فهو ما حدث لثروتها الضخمة؛ فبسبب عدم وجود أي وريث شرعي لها، أوصت ثريا أو تم تحويل ثروتها بالكامل بعد وفاتها لوزارة الأوقاف المصرية، لتستخدم في أعمال الخير والمنفعة العامة. هذا التصرف كان أبلغ رد على كل من شكك في وطنيتها أو ولائها للبلد الذي صنع شهرتها واحتضن موهبتها.
ثريا فخري وبصمتها في أفلام الأبيض والأسود
إذا استعرضنا تاريخ فن زمان، سنجد أن ثريا فخري كانت شريكاً أساسياً في نجاحات كبار النجوم مثل إسماعيل يس، عبد الحليم حافظ، وفاتن حمامة. كانت تمتلك قدرة فائقة على جعل المشاهد يشعر أنها فرد من أفراد أسرته، وليست مجرد ممثلة تؤدي دوراً. إن حصرها في دور الدادة لم يقلل من قيمتها الفنية، بل جعلها الأفضل والأشهر في هذا التخصص. كانت ضحكتها المميزة تكسر حدة الدراما في الأفلام الحزينة، وتضيف بهجة مضاعفة في الأفلام الكوميدية، مما جعلها "تميمة حظ" للكثير من المخرجين في ذلك العصر الذهبي.
رحيل دادة السينما ثريا فخري
رحلت الفنانة القديرة ثريا فخري عن عالمنا في 23 فبراير عام 1966، تاركة وراءها فراغاً كبيراً في أدوار الأمومة البديلة والمربية الحنونة. رحلت ثريا بجسدها، لكنها بقيت حية بأعمالها التي لا يزال الجمهور يشاهدها بشغف عبر شاشات التلفزيون. إن قصة حياتها هي تجسيد لمرحلة كانت فيها مصر قبلة للفنانين من كل الجنسيات والأديان، حيث يذوب الجميع في بوتقة الفن المصري الأصيل. ستبقى ثريا فخري دائماً هي الدادة التي أحبها الجميع، والتي وهبت مالها وفنها للبلد الذي عشقته حتى الرمق الأخير.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”