![]() |
| أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية الشيخ عويضة عثمان |
أثار التصريح الأخير للشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، حالة من الجدل الإيجابي والتساؤلات حول طبيعة مؤسسة الزواج في الإسلام. حيث أوضح أن الزواج ليس مجرد "سنة" مطلقة، بل هو ميثاق غليظ يخضع لأحكام الشريعة الخمسة، مؤكداً أن هناك حالات محددة قد يصبح فيها الزواج "إثماً وحراماً" على صاحبه إذا كان سيؤدي إلى ضرر للطرف الآخر أو ضياع للحقوق.
الأحكام الخمسة للزواج في الشريعة الإسلامية
أوضح أمين الفتوى خلال برنامج "فتاوى الناس" أن الفقهاء وضعوا خارطة طريق واضحة للحكم الشرعي للزواج بناءً على حالة الشخص المادية والنفسية والبدنية، وهي:
- الزواج الواجب: يكون الزواج فرضاً وواجباً على الشخص القادر مادياً وبدنياً، والذي يخشى على نفسه الوقوع في الفتنة أو المعصية إذا لم يتزوج. هنا يصبح الزواج "عصمة" ووسيلة للحفاظ على العفة.
- الزواج الحرام: وهذه هي النقطة التي توقف عندها الكثيرون. يكون الزواج حراماً إذا كان الشخص (رجلاً أو امرأة) يعلم يقيناً أنه غير قادر على تحمل المسؤولية، أو أنه سيظلم الطرف الآخر، أو سيلحق به ضرراً مادياً أو نفسياً جسيماً.
- الزواج المستحب (السنة): وهو الحالة العامة للشخص المعتدل الذي يمتلك القدرة ويرغب في تكوين أسرة واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، دون خوف من الوقوع في الحرام أو إيقاع ظلم.
- الزواج المكروه: إذا كان الشخص يخشى من التقصير في حقوق الزوجة لكن دون تيقن من الضرر، أو إذا كان الزواج سيشغله عن واجبات دينية أو دنيوية أكثر أهمية.
- الزواج المباح: وهو الشخص الذي لا يخشى العنت (المعصية) ولا يرجو منه ولداً أو إعفافاً خاصاً، فيبقى الأمر في دائرة الإباحة.
لماذا قد يحمل الزواج صاحبه ذنوباً؟
فجر الشيخ عويضة عثمان مفاجأة بتأكيده أن بعض الرجال والنساء قد يحملون ذنوباً بسبب زواجهم. وأوضح أن الشخص الذي يتزوج وهو "مستهتر" ولا يدرك قدسية الرابطة الزوجية، مما يؤدي إلى "شقاء" الطرف الآخر، فإنه يرتكب إثماً. الزواج في الإسلام قائم على "المودة والرحمة"، فإذا انتفت القدرة على تحقيق هذه الأهداف وتحول الزواج إلى "ساحة تعذيب" بسبب عدم تحمل المسؤولية، فإن المشرع يغلب درء المفسدة على جلب المصلحة.
خطورة الظلم المادي والمعنوي في ميزان الشريعة
واستفاض الشيخ عويضة عثمان في شرح حالة "حرمة الزواج"، مشيراً إلى أن الإسلام لم يأتِ لتعذيب البشر بل لراحتهم. فإذا كان الرجل يعلم أنه لن يستطيع الإنفاق على زوجته، أو كان يعاني من عجز يمنعه من إعطاء الطرف الآخر حقه الشرعي دون إخباره، أو كان يمتلك طبعاً حاداً يجعله يمارس العنف والاعتداء الجسدي واللفظي، فإن إقدامه على الزواج في هذه الحالة يُعد "خديعة" وفاعله آثم شرعاً. وأكد أمين الفتوى أن "العقد" في الإسلام سُمي ميثاقاً غليظاً لأنه يترتب عليه حقوق ودماء وأنساب؛ فمن دخل هذا الميثاق وهو يبيت نية التقصير أو يعلم عجز نفسه عن الوفاء، فقد خان الأمانة. وهذا الحكم ينطبق أيضاً على المرأة التي تعلم أنها لن تستطيع القيام بواجبات بيتها أو ستكون سبباً في فتنة وضرر لزوجها دون وجه حق، مما يجعل التريث والاستعداد النفسي والمادي ضرورة شرعية لا رفاهية اجتماعية.
نصائح دار الإفتاء للمقبلين على الزواج
شدد أمين الفتوى على ضرورة التأهيل النفسي والاجتماعي قبل الخطوة الرسمية. فالقدرة المالية وحدها لا تكفي، بل يجب أن يمتلك الطرفان النضج الكافي لإدارة الأزمات وتربية الأبناء. وأشار إلى أن "الظلم" في الحقوق الزوجية من الذنوب التي لا تُغتفر إلا بعفو صاحب الحق، لذا وجب الحذر قبل الإقدام على هذه الخطوة إذا كان الإنسان يعلم من نفسه عدم القدرة على الوفاء بالعهود.
صحيح المفاهيم حول الاستطاعة وضغوط المجتمع
وفي سياق متصل، شدد خبراء دار الإفتاء على ضرورة فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم "من استطاع منكم الباءة" بفهمه الشامل، فالباءة ليست مجرد "القدرة على تكاليف الفرح والشبكة"، بل هي القدرة على إدارة بيت وتربية جيل سوي. وانتقد الشيخ عويضة الأنماط الاجتماعية التي تضغط على الشباب للزواج لمجرد بلوغ سن معينة دون النظر لمدى نضجهم وتحملهم للمسؤولية، مؤكداً أن الزواج تحت الضغط مع عدم القدرة النفسية غالباً ما ينتهي في أروقة محاكم الأسرة. وأوضح أن الشريعة أباحت البدائل كـ "الصوم" لمن لم يستطع، لتهذيب النفس حتى يرزقه الله القدرة، مما يدل على أن تأخير الزواج من أجل الاستعداد التام هو فعل مأجور عليه صاحبه، طالما أنه يحمي نفسه ويحمي الطرف الآخر من زواج فاشل أو حياة مليئة بالصراعات والشقاق.
أهمية التأهيل النفسي للحد من ظاهرة الطلاق المبكر
وختاماً لتوضيح هذه الأحكام، أشار أمين الفتوى إلى أن دار الإفتاء المصرية لا تكتفي بإصدار الفتاوى، بل أطلقت "دورات تأهيل المقبلين على الزواج" لتوضيح هذه الأحكام الخمسة بشكل عملي. ففهم الحكم الشرعي للزواج (سواء كان واجباً أو حراماً ) يساعد الشاب والفتاة على اتخاذ قرار مصيري بناءً على بصيرة. إن الهدف من بيان "حرمة الزواج" في بعض الحالات هو تقليل نسب الطلاق التي ارتفعت بسبب غياب الوعي بالحقوق والواجبات. فالحياة الزوجية بناء يتطلب "عقلاً ناضجاً" قبل "جيوباً ممتلئة"، والدين الإسلامي يحرص على أن تبدأ البيوت على تقوى من الله ورضا، لضمان استقرار المجتمع وبناء أسر قائمة على السكينة والود، بعيداً عن الذنوب التي قد تترتب على الجهل بقدسية هذا الرباط العظيم.
وفى النهاية
الزواج ليس مجرد طقس اجتماعي، بل هو تكليف شرعي يتطلب الاستطاعة كما جاء في الحديث النبوي الشريف: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج". والاستطاعة هنا تشمل القدرة المادية، الجسدية، والنفسية. فإذا غابت هذه الأركان، قد يتحول الزواج من "ستر" إلى "وزر".

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”