![]() |
| الفنان صلاح ذو الفقار |
لم تكن مسيرة الفنان الراحل صلاح ذو الفقار مجرد رحلة فنان عابر في تاريخ السينما المصرية، بل كانت مزيجاً فريداً من الانضباط العسكري والرقة الفنية. هذا النجم الذي حفر اسمه بحروف من ذهب كأحد أهم "جانات" الشاشة، لم يبدأ حياته من استوديوهات التصوير كما يظن البعض، بل بدأت رحلته من داخل أروقة أكاديمية الشرطة، وقبلها بمفاجأة فنية لم يلتفت إليها الكثيرون وهو لا يزال في ريعان الشباب. اليوم، نعيد قراءة دفاتر هذا النجم الذي جمع بين البطولة في الملاكمة، والتفوق في البوليس، والتربع على عرش النجومية، مسلطين الضوء على بداياته الأولى التي كشفت عن ملامح مختلفة تماماً عما اعتاده الجمهور في سنوات شهرته.
ليلة الفرح.. الظهور الأول الذي لم يعرفه الجمهور
كثيرون يعتقدون أن بدايات صلاح ذو الفقار الفنية بدأت في الخمسينيات، لكن الحقيقة تعود إلى عام 1942، حينما ظهر "ذو الفقار" لأول مرة على الشاشة وهو في سن السادسة عشرة فقط. شارك صلاح في فيلم "ليلة الفرح" أمام الفنانة الكبيرة عزيزة أمير، وكان العمل من بطولة شقيقه الفنان محمود ذو الفقار وإخراج محمد كريم وحسين فوزي.
في هذا الفيلم، ظهر صلاح بملامح متغيرة تماماً؛ حيث لفت الأنظار بشعره الكثيف والطويل، وهي إطلالة تختلف جذرياً عن "الستايل" الذي اشتهر به في شباب ونضوج مسيرته، حيث كان يحرص دائماً على تسريحة شعر مهندمة وفارق دقيق ميز وسامته. هذا الظهور المبكر كان بمثابة "هواية" قبل أن تتحول السينما إلى احتراف يغير مجرى حياته بالكامل.
من سماعة الطبيب إلى "الباريه" الميري.. سر التحول المفاجئ
لم تكن أحلام صلاح ذو الفقار في البداية تتجه صوب الفن أو حتى الشرطة؛ فقد كان طالباً متفوقاً التحق بكلية الطب جامعة الإسكندرية إرضاءً لرغبة والده الذي كان يتمنى رؤيته طبيباً ناجحاً يسير على خطى جده. إلا أن القدر كان يخبئ له مساراً آخر؛ فبعد مرض والده، شعر صلاح بمسؤولية كبيرة ورغبة في أن يكون بجوار عائلته في القاهرة، فقرر تحويل أوراقه من كلية الطب إلى أكاديمية الشرطة (كلية البوليس آنذاك).
في الأكاديمية، لم يكن صلاح مجرد طالب عادي، بل كان بطلاً رياضياً يشار إليه بالبنان، حيث تفوق في رياضة الملاكمة وحصل على بطولة "كأس الملك" في وزن الريشة عام 1947. هذا التفوق البدني والذهني جعله يتخرج في عام 1946 ويبدأ مسيرة مهنية حافلة، عمل خلالها في مديرية أمن المنوفية، ثم في مصلحة السجون وتحديداً سجن مصر، وصولاً إلى عمله مدرساً في أكاديمية الشرطة منذ عام 1949.

الفنان صلاح ذو الفقار
عيون سهرانة.. اللحظة التي انتصر فيها الفن على الانضباط

في عام 1955، كان المخرج عز الدين ذو الفقار (الشقيق الأكبر لصلاح) يبحث عن وجه جديد يتمتع بالوسامة والانضباط للقيام بدور البطولة أمام النجمة شادية في فيلم "عيون سهرانة". لم يجد عز الدين أفضل من شقيقه صلاح، لكن الأخير كان يرى في هذا الأمر استحالة قانونية ومهنية، نظراً لكونه ضابطاً عاملاً في وزارة الداخلية.
بسبب إلحاح عز الدين، قرر صلاح خوض المغامرة وتقدم بطلب رسمي لوزير الداخلية للحصول على تصريح استثنائي للتمثيل. ولأن سجل صلاح كان ناصعاً، وافق الوزير في سابقة تاريخية، وقدم صلاح أول بطولاته السينمائية التي كانت شرارة الانطلاق لقصة حب فنية (وشخصية لاحقاً) مع الفنانة شادية. لكن النجاح الحقيقي الذي زلزل الأرض تحت أقدامه كان في فيلم "رد قلبي"، الذي جسد فيه دور الضابط "علي"، وهو الدور الذي جعله يسكن قلوب الجماهير بلا استئذان.
الاستقالة برتبة مقدم.. الوداع الأخير لبدلة الشرطة
بعد النجاح الساحق لفيلم "رد قلبي"، تهافت المنتجون والمخرجون على صلاح ذو الفقار، وأصبح التوفيق بين عمله كضابط ومدرس في الأكاديمية وبين ساعات التصوير الطويلة أمراً مستحيلاً. في 27 يونيو 1957، اتخذ صلاح أصعب قرار في حياته وقدم استقالته من وزارة الداخلية للتفرغ للفن.
![]() |
| الفنان صلاح ذو الفقار فى سن 16 عام |
ذو الفقار.. الفارس الذي لم يترجل عن خيله
رحل صلاح ذو الفقار وترك خلفه إرثاً لا ينضب من الفن الراقي. لقد كان نموذجاً للفنان المثقف الذي يعرف قيمة ما يقدمه، والضابط الذي لم ينسَ شرفه العسكري حتى وهو يجسد أدوار الحب والرومانسية. صورته وهو في سن الـ 16 تذكرنا بأن الموهبة تولد مع الإنسان، لكن الصقل والاجتهاد هما ما يصنعان النجوم. نحن في الحقيقة نيوز نعتز بتسليط الضوء على هذه الجوانب الخفية في حياة عمالقة الفن، فقصة صلاح ذو الفقار ليست مجرد قصة ممثل، بل هي ملحمة مصرية خالصة تؤكد أن الإخلاص في أي عمل هو الطريق الوحيد للخلود في ذاكرة الشعوب.


0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”