![]() |
| بصمة فنية لن تكرر تركها منسي فهمي في ذاكرة الفن |
من منصة القضاء إلى أضواء الفن:
بدأ منسي فهمي حياته في سلك القضاء، حيث عُين قاضياً للمحاكم المختلطة، وكان يُعرف عنه النزاهة والصرامة الشديدة. كان يعيش حياة هادئة مع ابنائه، أحدهما "إسكندر" الذي سار على نهج أبيه وتخرج في كلية الحقوق، والآخر "فهمي" الذي كان يمثل الجانب المظلم في حياة القاضي الوقور، بسبب انغماسه في حياة اللهو والتردد على الخمارات والبارات.
مؤامرة الشيطان وسقوط الابن:
تسببت علاقات "فهمي" غير المنضبطة في وقوعه في فخ نصبته له إحدى جاراته. كانت الزوجة الخائنة تخطط للتخلص من زوجها، وحين رفض فهمي مشاركتها الجريمة، استعانت بـ "ميكانيكي" دبر مكيدة شيطانية. تم استدراج فهمي للمنزل وإغراقه في الخمور حتى فقد وعيه، وفي تلك الأثناء، قام الميكانيكي بقتل الزوج وتوريط الابن السكران في التهمة، ليجد فهمي نفسه خلف القضبان متهماً بالقتل العمد.
![]() |
| منسي فهمي.. الوجه الذي جسد هيبة الأرستقراطية المصرية على الشاشة |
للحظة الصادمة: الأب يحكم بالإعدام:
هنا تأتي اللحظة التي هزت أركان القضاء المصري؛ حيث أصر منسي فهمي على أن ينظر قضية ابنه بنفسه. ورغم يقينه الداخلي بأن ابنه لم يقتل بيده، إلا أن "سوء أخلاق" الابن ووجوده في مكان الجريمة كانا كافيين في نظر الأب القاضي لإدانته. وبقلب ممزق، نطق الأب بحكم الإعدام شنقاً على فلذة كبده، مؤمناً بأن هذا هو جزاء الاستهتار والفساد الأخلاقي.
كواليس المحاكمة التاريخية وموقف القانون المصري
تعتبر قضية منسي فهمي وابنه واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ القضاء المصري، حيث تساءل الكثيرون كيف سمح القانون لأب أن يحاكم ابنه؟ ولكن في ذلك الوقت، وبسبب قوة شخصية منسي فهمي ونزاهته المشهود لها، أصر على ألا يتنحى عن القضية ليثبت للجميع أن "العدل فوق العاطفة". كانت قاعة المحكمة تضج بالصمت والذهول عندما اعتلى الأب المنصة، وكان الابن ينظر إليه برجاء، لكن صرامة القاضي غلبت دموع الأب، ونطق بالحكم الذي زلزل كيانه الشخصي قبل أن ينهي حياة ابنه، ليصبح هذا الموقف درساً قاسياً في الفصل بين الواجب المهني والمشاعر الإنسانية.
ما بعد الإعدام.. اعتزال واكتئاب:
لم يتوقف الأمر عند الحكم، بل حضر الأب لحظة تنفيذ الإعدام ليكون شاهداً على نهاية ابنه. عقب هذه الحادثة، استقال منسي فهمي من منصبه المرموق ودخل في حالة اكتئاب حاد دامت 6 سنوات، قضاها منعزلاً عن العالم، محاصراً بذكريات المنصة وعشماوي.
![]() |
| بصمة فنية لن تكرر تركها منسي فهمي في ذاكرة الفن المصري |
نجيب الريحاني وقبلة الحياة الفنية:
كان الفنان نجيب الريحاني هو من أعاد منسي فهمي للحياة مرة أخرى. عرض عليه دوراً مسرحياً يشبه قصته الحقيقية، ومع الإلحاح، وافق منسي ليفرغ طاقته الحزينة في التمثيل. انطلق بعدها ليقدم أدواراً تميزت بالوقار والحدة، مستمداً قوتها من مأساته الشخصية، ليصبح واحداً من كبار فناني الزمن الجميل.
منسي فهمي وتخصص الأدوار الأرستقراطية في السينما
عندما انتقل منسي فهمي من منصة القضاء إلى بلاتوهات التصوير، لم يتخلى عن وقاره المعهود. فقد حصرته السينما المصرية في أدوار الباشا، القاضي، أو الأب الصارم، وهي أدوار لم يكن يحتاج فيها إلى بذل مجهود كبير، لأنها كانت تمثل جزءاً من شخصيته الحقيقية وتاريخه المهني. شارك منسي فهمي في أفلام خالدة مثل (سلامة في خير) و(غزل البنات)، وكان وجوده في أي عمل يضفي عليه نوعاً من الهيبة والرزانة، حتى أن كبار المخرجين كانوا يخشون توجيهه بقسوة تقديراً لتاريخه القضائي السابق وللحزن الدفين الذي كان يظهر في عينيه بوضوح خلف الكاميرا.
تأثير المأساة على نهايته
لم تكن سنوات التمثيل كافية لغسل ذكريات حبل المشنقة من مخيلة منسي فهمي. فبالرغم من نجاحه الفني الكبير، ظل يعيش في صراع داخلي دائم بين ضمير القاضي وقلب الأب المحطم. وتؤكد الروايات من المقربين منه في الوسط الفني، أنه كان يقضي ساعات طويلة في غرفته بمفرده يقرأ القرآن ويصلي، باحثاً عن السكينة التي فقدها يوم نطق بحكم الإعدام. رحل منسي فهمي عن عالمنا في عام 1955، تاركاً خلفه رصيداً فنياً كبيراً وقصة إنسانية تدرس في التضحية بالذات من أجل المبادئ، لتظل سيرته باقية كواحد من أنبل وأكثر الفنانين صدقاً في تاريخ السينما المصرية.



0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”