![]() |
| ضحايا حادث الدواويس |
كان يومًا عاديًا بالنسبة لعشرات العمال الذين غادروا منازلهم متجهين إلى أماكن عملهم، يحملون أحلامًا بسيطة مرتبطة بالرزق وتوفير احتياجات أسرهم، لكن حادث تصادم سيارتي نقل العمال بمنطقة الدواويس التابعة لمركز ومدينة القصاصين بمحافظة الإسماعيلية قلب حياة عدد كبير من الأسر رأسًا على عقب، بعدما أسفر عن سقوط ضحايا وإصابة آخرين.
وبينما بدأت الجهات المعنية في التعامل مع الحادث، كانت هناك مأساة أخرى تجري داخل المنازل، حيث جلست الأمهات والزوجات والآباء والأشقاء في انتظار أي معلومة عن ذويهم، وتحولت الهواتف المحمولة من وسيلة للاطمئنان إلى مصدر للخوف، فأصبح كل اتصال يحمل احتمالًا جديدًا، وكل رقم غريب يثير القلق.
«ابني فين؟».. السؤال الأصعب بعد الحادث
في الساعات الأولى التي أعقبت حادث الدواويس بالإسماعيلية، لم تكن الأسر تفكر في معرفة تفاصيل ما حدث بقدر بحثها عن إجابة لسؤال واحد ظل يتردد في كل مكان: «ابني فين؟».
كانت كل أسرة تحاول الوصول إلى المستشفيات أو معرفة أسماء المصابين والمتوفين، بينما انتظر آخرون أمام أبواب المستشفيات بحثًا عن أي معلومة تطمئنهم على أبنائهم. وفي مثل هذه اللحظات، تتحول الأسماء الموجودة في كشوف المصابين والضحايا إلى قصص وحكايات كاملة، فكل اسم وراءه بيت ينتظر، وأم تترقب، وأطفال يسألون عن والدهم.
ولم يكن الأمر مجرد البحث عن شخص غائب، وإنما كان انتظارًا يحمل خوفًا من سماع أسوأ خبر يمكن أن يصل إلى الأسرة، خاصة أن الضحايا كانوا في طريقهم إلى أعمالهم، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول رحلة الرزق إلى رحلة أخيرة.
سعيد.. مكالمة أخيرة تحولت إلى ذكرى مؤلمة
ومن بين القصص الإنسانية التي ظهرت عقب الحادث قصة الشاب سعيد محمد سعيد، البالغ من العمر 19 عامًا، والذي كان قد تحدث مع والدته قبل وقوع الحادث بنحو نصف ساعة.
كانت المكالمة عادية في ذلك الوقت، مثل عشرات المكالمات التي يجريها الأبناء مع أمهاتهم، لكن كلمات سعيد تحولت بعد الحادث إلى ذكرى مؤلمة لا تستطيع أسرته نسيانها، بعدما قال لوالدته: «وحشتيني يا ماما ومش هتأخر النهارده».
لم تكن الأم تعلم أن هذه الكلمات ستكون آخر ما تسمعه من نجلها، وأن انتظارها لعودته إلى المنزل سيتحول إلى انتظار مختلف تمامًا، بحثًا عن خبر يطمئنها عليه.
خرج سعيد من منزله للعمل، كما اعتاد، لكن الحادث أنهى حياته، لتبقى المكالمة الأخيرة حاضرة في ذاكرة والدته، بما حملته من مشاعر عادية أصبحت بعد ساعات من أثقل الذكريات على الأسرة.
محمود.. رحيل عائل الأسرة
ومن بين ضحايا حادث الدواويس أيضًا الشاب محمود علي السيد، 35 عامًا، الذي كان يمثل مصدر رزق وسندًا لأسرته، وخرج إلى عمله بحثًا عن توفير احتياجات البيت، قبل أن تنتهي رحلته بصورة مأساوية.
بالنسبة لأسرته، لم يكن محمود مجرد اسم ضمن قائمة ضحايا حادث طريق، وإنما كان شخصًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، يخرج إلى عمله ويعود إلى منزله، ويحمل على عاتقه مسؤوليات أسرته واحتياجاتها.
وكانت صدمة رحيله مضاعفة، لأن الأسرة لم تفقد شخصًا عزيزًا عليها فقط، وإنما فقدت أيضًا أحد أهم مصادر الدعم والسند، وهو ما يجعل آثار الحادث مستمرة بالنسبة لأسر الضحايا حتى بعد انتهاء عمليات الإنقاذ والعلاج والدفن.
وقالت زوجته، في وصف مؤلم للحظات التي سبقت معرفة الخبر، إن زوجها خرج من أجل عمله، وكانت الأسرة تنتظر عودته، لكنها فوجئت بخبر وفاته بدلًا من أن تراه يدخل من باب المنزل.
أم تفقد نجليها في حادث واحد
ومن أكثر القصص قسوة التي صاحبت حادث الدواويس بالإسماعيلية قصة أم فقدت نجليها في الحادث نفسه، بعدما خرجا للعمل خلال الإجازة في محاولة لمساعدة الأسرة وتوفير احتياجاتهما.
كان أحد الابنين يدرس في كلية التربية الرياضية، بينما كان الآخر يدرس في كلية التجارة، وكان العمل خلال فترة الإجازة وسيلة للمساعدة وتوفير الدخل، لكن هذه الرحلة انتهت بمأساة لم تكن الأسرة تتوقعها.
فالأم التي كانت تنتظر عودة ابنيها لم تعد تبحث عن أحدهما فقط، وإنما وجدت نفسها أمام خبر فقد الاثنين معًا، وهو مشهد يصعب وصف حجم قسوته، لأن فقد شخص واحد يمثل صدمة كبيرة، فما بالك بأم تستقبل في اليوم نفسه خبر رحيل نجليها.
وفي مثل هذه الحالات، لا تتوقف ذاكرة الأسرة عند لحظة وقوع الحادث، وإنما تستمر التفاصيل الصغيرة في الحضور؛ أماكن جلوس الأبناء، ملابسهم، أصواتهم، مواعيد عودتهم، والأحاديث اليومية التي كانت تجمعهم داخل المنزل.
محمد.. نجا من الحادث وفقد شقيقه
وفي المقابل، عاش الطفل محمد سالم تجربة مختلفة، بعدما نجا من الحادث مصابًا، بينما توفي شقيقه، لتتحول النجاة نفسها إلى ذكرى مرتبطة بفقد شخص قريب منه.
وقال محمد إنه كان موجودًا في العمل برفقة شقيقه وقت وقوع التصادم، مشيرًا إلى اعتقاده بأن انفجار إطار إحدى السيارات كان من بين أسباب وقوع الحادث.
وتكشف هذه القصة جانبًا آخر من المأساة، فبعض الناجين لا يغادرون موقع الحادث فقط بإصابات جسدية، وإنما يحملون معهم ذكريات مؤلمة عن أشخاص كانوا بجوارهم في اللحظات الأخيرة.
أطفال خرجوا للعمل خلال الإجازة
ومن الجوانب التي أثارت اهتمامًا واسعًا عقب الحادث أن عددًا من الضحايا والمصابين كانوا من صغار السن، حيث خرجوا للعمل خلال فترة الإجازة، سواء لمساعدة أسرهم أو لتوفير بعض احتياجاتهم، لكن الطريق الذي بدأ بحثًا عن الرزق انتهى بهم داخل سيارات الإسعاف والمستشفيات.
وأعاد ذلك فتح ملف تشغيل الأطفال وضرورة الالتزام بالقوانين المنظمة للعمل، خاصة أن تشغيل الأطفال دون السن القانونية يمثل مخالفة صريحة لقوانين حماية الطفل.
وشدد محافظ الإسماعيلية على ضرورة التعامل مع هذه القضية وفحص جميع ملابسات الواقعة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما يضمن تحديد المسؤوليات ومراجعة ظروف العمل والنقل، خاصة عندما يتعلق الأمر بصغار السن.
وتبقى حماية الأطفال من الأعمال الخطرة مسؤولية مشتركة، لأن الطفل الذي يخرج للعمل في ظروف غير آمنة قد يتعرض لمخاطر تفوق قدرته على التعامل معها، وهو ما يجعل تطبيق القانون أمرًا ضروريًا لحماية الأطفال والأسر في الوقت نفسه.
في المستشفيات.. أسر تنتظر خبرًا يطمئنها
وبالتزامن مع تشييع جثامين الضحايا، كانت هناك أسر أخرى تعيش حالة مختلفة من القلق أمام المستشفيات، بعدما نُقل المصابون لتلقي العلاج والرعاية الطبية.
وشهدت مستشفيات الإسماعيلية تحركًا طبيًا للتعامل مع الحالات المصابة، وسط متابعة للحالات التي احتاج بعضها إلى تدخلات جراحية وعلاجية.
وأوضح الدكتور محمد جبريل، مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بالإسماعيلية، أن 13 حالة شهدت تحسنًا، بواقع 8 حالات في مستشفى القصاصين و5 حالات داخل مجمع الإسماعيلية الطبي، بينما احتاجت حالات أخرى إلى عمليات وتدخلات طبية ومتابعة دقيقة.
وهكذا انقسم المشهد داخل المستشفيات بين أسر تنتظر خروج مصابيها سالمين، وأسر أخرى تستعد لاستلام جثامين ذويها، لكن القاسم المشترك بين الجميع كان الخوف والانتظار والرغبة في معرفة مصير الأبناء والأقارب.
النيابة تكشف تفاصيل أسباب حادث الدواويس
وبعيدًا عن الجانب الإنساني، بدأت جهات التحقيق في فحص ملابسات حادث تصادم سيارتي نقل العمال بالدواويس، بهدف تحديد الأسباب والمسؤوليات القانونية المتعلقة بالواقعة.
وكشفت النيابة العامة أن انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل، قبل أن تصطدم بالمركبة الأخرى، وهو ما تسبب في وقوع الحادث وسقوط عدد من الضحايا والمصابين.
كما جرى التحفظ على سائقي المركبتين، اللذين كانا من بين المصابين، بينما تعذر سؤال أحدهما أمام جهات التحقيق بسبب حالته الصحية، مع استمرار الإجراءات اللازمة للوصول إلى الصورة الكاملة للواقعة.
وأمرت النيابة بفحص المركبتين فنيًا، إلى جانب أخذ عينات من السائقين، واستكمال سؤال المصابين الذين تسمح حالتهم الصحية بذلك، وذلك لتحديد الظروف التي سبقت وقوع التصادم ومعرفة مدى وجود أي مخالفات أو أسباب أخرى ساهمت في وقوعه.
مأساة الدواويس تتجاوز أرقام الضحايا
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى حادث الدواويس بالإسماعيلية باعتباره مجرد أرقام في حصيلة حادث طريق، لأن وراء كل ضحية أسرة كاملة تغيرت حياتها في لحظة، ووراء كل مصاب أم وأب وزوجة وأبناء ينتظرون عودته.
كان هؤلاء العمال في طريقهم إلى أعمالهم، يحملون معهم أحلامًا بسيطة ومسؤوليات يومية، لكن الحادث حوّل الرحلة إلى مأساة إنسانية امتدت آثارها إلى عشرات البيوت.
ويبقى السؤال الذي تردد على ألسنة الأسر في الساعات الأولى للحادث: «ابني فين؟»، أكثر تعبيرًا عن حجم الألم من أي رقم يمكن أن يكتب في تقرير عن الحادث، لأن كل اسم في قوائم الضحايا والمصابين كان يعني بالنسبة لأسرة ما حياة كاملة انقطعت أو تغير مسارها إلى الأبد.
ومع استمرار التحقيقات لكشف جميع ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات، تبقى سلامة العمال والالتزام بقواعد النقل والعمل، خصوصًا فيما يتعلق بصغار السن، من أهم الدروس التي تفرضها هذه المأساة، حتى لا تتحول رحلة البحث عن الرزق مرة أخرى إلى رحلة لا عودة منها.
.png)