![]() |
| صلاح ذو الفقار |
قبل أن يصبح سمير غانم واحدًا من أهم نجوم الكوميديا في مصر والعالم العربي، كان يحلم بارتداء الزي الرسمي والعمل ضابطًا في الشرطة، تنفيذًا لرغبة والده الذي كان يتمنى أن يراه يسير على خطاه. لكن القدر كان يخبئ له طريقًا مختلفًا تمامًا، بدأ من داخل أسوار كلية الشرطة، وانتهى على خشبة المسرح وأمام كاميرات السينما والتليفزيون.
ومن بين المواقف الطريفة التي ارتبطت بتلك المرحلة، حكاية رواها الفنان الراحل صلاح ذو الفقار بنفسه، كاشفًا تفاصيل واقعة جمعت بينه وبين الطالب الشاب سمير غانم، انتهت بما وصفه ضاحكًا بـ"علقة ملاكمة"، لكنها تحولت فيما بعد إلى واحدة من أشهر الذكريات التي ظل النجمان يتبادلان الحديث عنها كلما التقيا.
ولم يكن صلاح ذو الفقار مجرد فنان كبير في ذلك الوقت، بل كان ضابطًا في الشرطة قبل احترافه التمثيل، وهو ما جعل علاقته بطلاب الكلية مختلفة، خاصة أن سمير غانم كان ينظر إليه باعتباره نموذجًا للضابط الأنيق وصاحب الشخصية القوية.
صلاح ذو الفقار يرد على اتهامه بضرب سمير غانم
خلال حوار أجراه مع مجلة «ألحان اللبنانية» عام 1987، تلقى صلاح ذو الفقار سؤالًا طريفًا حول حقيقة تسببه في تعرض الفنان سمير غانم لـ"علقة ساخنة" أثناء دراسته بكلية الشرطة.
ورد الفنان الكبير بابتسامة، مؤكدًا أن القصة صحيحة بالفعل، لكنه أوضح أن الأمر لم يكن كما يتخيله البعض، بل كان جزءًا من التدريبات الرياضية داخل الكلية، مضيفًا أن سمير غانم ظل يؤدي له التحية العسكرية كلما التقيا حتى بعد أن أصبح من أشهر نجوم الفن.
حلم الشرطة قبل طريق الفن
التحق سمير غانم بكلية الشرطة في بداية شبابه استجابة لرغبة والده، الذي كان يعمل ضابطًا، وكان يتمنى أن يرى ابنه يرتدي نفس الزي الرسمي.
ودخل سمير الكلية وهو يحمل أحلامًا كبيرة، لكنه سرعان ما اكتشف أن الحياة العسكرية تختلف تمامًا عن شخصيته المرحة، إذ تتطلب قدرًا كبيرًا من الانضباط والالتزام البدني والنفسي.
ورغم محاولاته التأقلم مع النظام الصارم، فإن الأمر لم يكن سهلًا بالنسبة له، خاصة أنه كان يميل منذ صغره إلى خفة الظل والمرح، وهي الصفات التي ظهرت لاحقًا بوضوح في مشواره الفني.
كيف اكتشف صلاح ذو الفقار قوة سمير غانم؟
كشف صلاح ذو الفقار أنه كان مسؤولًا عن فريق الملاكمة داخل كلية الشرطة، ولاحظ أن الطالب سمير غانم يتمتع ببنية جسمانية قوية، ما دفعه إلى ترشيحه للانضمام إلى فريق الملاكمة.
ورحب سمير بالفكرة، معتقدًا أن الأمر لن يكون معقدًا، ولم يكن يتوقع أن التدريبات أو المباريات قد تحمل له مفاجآت غير سارة.
وبالفعل، بدأ المشاركة في تدريبات الفريق، وسط تشجيع من زملائه، لكنه لم يكن يمتلك الخبرة الكافية في هذه الرياضة التي تعتمد على المهارة والخبرة بقدر اعتمادها على القوة البدنية.
«علقة الملاكمة» التي لم ينسها سمير غانم
بحسب رواية صلاح ذو الفقار، جاءت لحظة الاختبار الحقيقي عندما شارك سمير غانم في إحدى مباريات الملاكمة أمام زميل له كان يجيد اللعبة بصورة احترافية.
وما إن انطلقت المباراة حتى انهالت اللكمات على سمير بصورة سريعة، ولم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى وجد نفسه على أرض الحلبة، بعد أن تلقى ضربات قوية أنهت المواجهة سريعًا.
وقال صلاح ذو الفقار إن الواقعة كانت طريفة، لكنها كشفت لسمير أن الملاكمة ليست بالسهولة التي كان يتصورها، وظلت هذه المباراة محل مزاح بينهما لسنوات طويلة.
التحية العسكرية التي لم تتوقف
ورغم مرور السنوات، وتحول كل منهما إلى نجم كبير في عالم الفن، ظل سمير غانم يحتفظ باحترامه الشديد لصلاح ذو الفقار.
وأكد الأخير أن سمير كان يؤدي له التحية العسكرية كلما التقيا في أي مناسبة، في إشارة إلى الأيام التي جمعتهما داخل كلية الشرطة، وهو ما كان يثير الضحك بين الحاضرين ويعيد إلى الأذهان ذكريات تلك المرحلة.
ويعكس هذا الموقف طبيعة العلاقة الإنسانية التي جمعت النجمين، والتي قامت على الاحترام المتبادل والذكريات الجميلة رغم ما شهدته من مواقف طريفة.
لماذا غادر سمير غانم كلية الشرطة؟
استمرت دراسة سمير غانم في كلية الشرطة لفترة قصيرة، لكنه لم ينجح في استكمالها، بعدما واجه صعوبة في التأقلم مع نظام الدراسة والحياة العسكرية.
وتشير الروايات المتداولة إلى أنه رسب لعامين متتاليين، قبل أن يتم فصله من الكلية، لينتقل بعدها إلى كلية الزراعة، وهي الخطوة التي غيرت حياته بالكامل.
ففي الجامعة بدأت موهبته الفنية في الظهور، وهناك التقى بعدد من زملائه الذين شاركوه حلم الفن، لتبدأ رحلة مختلفة تمامًا عن الطريق الذي رسمه له والده.
من كلية الزراعة إلى فرقة ثلاثي أضواء المسرح
بعد انتقاله إلى كلية الزراعة، وجد سمير غانم البيئة التي تناسب شخصيته المرحة، وبدأ يشارك في الأنشطة الفنية والمسرحية داخل الجامعة.
وخلال تلك الفترة، تعرّف على الضيف أحمد وجورج سيدهم، ليؤسس الثلاثة فيما بعد فرقة ثلاثي أضواء المسرح، التي أصبحت واحدة من أهم الظواهر الفنية في ستينيات القرن الماضي.
وقدمت الفرقة عشرات المسرحيات والاستعراضات والأغاني الكوميدية التي حققت نجاحًا كبيرًا، وأسهمت في صناعة نجومية أعضائها.
صلاح ذو الفقار.. الضابط الذي أصبح نجمًا
المفارقة أن صلاح ذو الفقار نفسه عاش التجربة التي كان يحلم بها سمير غانم، إذ عمل ضابطًا في الشرطة ووصل إلى رتبة نقيب، قبل أن يقرر ترك العمل والتفرغ للفن.
واستطاع خلال سنوات قليلة أن يصبح أحد أهم نجوم السينما المصرية، مقدمًا عشرات الأعمال التي تنوعت بين الرومانسية والدراما والأكشن، ليجمع بين النجاح المهني في الشرطة والنجومية على الشاشة.
وربما كان هذا النجاح هو ما جعل سمير غانم يعتبره قدوة خلال سنوات الدراسة، قبل أن يلتقيا مرة أخرى داخل الوسط الفني كزميلين تجمعهما المحبة والاحترام.
علاقة إنسانية استمرت حتى النهاية
لم تكن قصة صلاح ذو الفقار وسمير غانم مجرد حكاية عن مباراة ملاكمة، بل كانت نموذجًا لعلاقة إنسانية استمرت سنوات طويلة.
ففي كل لقاء كان سمير يحرص على مداعبة صلاح بالتحية العسكرية، بينما يرد الأخير بالضحك، مستعيدًا ذكرى الطالب الشاب الذي دخل حلبة الملاكمة بثقة كبيرة، لكنه خرج منها وهو يدرك أن مستقبله الحقيقي لم يكن في الرياضة أو الحياة العسكرية، وإنما فوق خشبة المسرح.
وهكذا، تحولت تجربة قصيرة داخل كلية الشرطة إلى محطة صنعت واحدة من أجمل الحكايات في ذاكرة الفن المصري، وأثبتت أن الطريق إلى النجاح قد يبدأ أحيانًا من تجربة لم تكتمل، لكنها تقود صاحبها إلى المكان الذي يستحقه.
فن لا يُنسى
واصل سمير غانم بعد ذلك تقديم أعمال خالدة في المسرح والسينما والتليفزيون، وأصبح رمزًا للكوميديا العربية، بينما ظل صلاح ذو الفقار واحدًا من أعمدة الفن المصري، ليبقى اللقاء الذي جمعهما داخل كلية الشرطة شاهدًا على مرحلة صنعت ذكريات لا تزال تُروى حتى اليوم، وتؤكد أن النجاح قد يولد من أكثر المواقف بساطة وطرافة.
