🌍 Translate

كود اعلان

انتهاء معاهدة نيو ستارت يفتح باب القلق النووي.. إلى أين يتجه العالم بعد اليوم؟

دكتور يسري أبو شادي
دكتور يسري أبو شادي

مع دقات الساعات الأولى من صباح اليوم، دخل العالم رسمياً في نفق مظلم ومرحلة من عدم اليقين الأمني لقد انتهت رسمياً معاهدة نيو ستارت (New START) للحد من انتشار الأسلحة النووية، وهي تلك الاتفاقية التاريخية التي وقعتها الولايات المتحدة وروسيا عام 2010. 

تلك اللحظة التي جمعت باراك أوباما وديمتري ميدفيديف أصبحت الآن مجرد ذكرى، حيث انتهت المعاهدة دون أي إعلان عن تجديدها أو حتى التوصل لاتفاق بديل يضمن كبح جماح الترسانات النووية. 

الحقيقة أن هذا الفراغ القانوني يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات مرعبة حول مستقبل الأمن النووي العالمي، وما إذا كنا قد بدأنا فعلياً العد التنازلي لمواجهة مباشرة لا تبقي ولا تذر.

ما هي معاهدة نيو ستارت؟ كشف بنود الاتفاق الذي حمى العالم لسنوات

المعاهدة التي بدأ تنفيذها الفعلي في فبراير 2011 لم تكن مجرد ورقة، بل كانت "صمام أمان" عالمي لقد كانت تهدف بوضوح إلى تقليص عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية إلى 1550 رأساً لكل دولة فقط. 

وأشار الخبراء إلى أن الاتفاق وضع حدوداً صارمة لوسائل الإطلاق، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات النووية، والطائرات القاذفة الاستراتيجية. 

وأوضح المطلعون أن البند الأكثر أهمية كان يسمح بـ تفتيش متبادل على المواقع النووية وتبادل البيانات اللحظية بين موسكو وواشنطن، وهو ما بنى نوعاً من "الشفافية الهشة" التي منعت الانزلاق نحو سوء الفهم القاتل طوال العقد الماضي.

 لماذا توقفت "نيو ستارت" فعلياً قبل موعد انتهائها؟

رغم أن النهاية الرسمية كانت اليوم، إلا أن المعاهدة كانت "ميتة إكلينيكياً" منذ فترة وبحسب تصريحات خبير الطاقة الذرية العالمي، الدكتور يسري أبو شادي، فإن المعاهدة دخلت مرحلة الجمود التام منذ عام 2023. 

وأوضح أبو شادي أن روسيا اتخذت قراراً بتعليق عمليات التفتيش المتبادل، رداً على ما وصفته بالتورط الأمريكي المباشر في الحرب في أوكرانيا ومع تصاعد التوترات بين روسيا وحلف الناتو، أصبح الالتزام ببنود المعاهدة شكلياً ومعدوماً. 

وشدد المحللون على أن غياب "بناء الثقة" جعل الاتفاق مجرد حبر على ورق، بانتظار لحظة الوفاة الرسمية التي شهدناها اليوم مع انتهاء مدتها القانونية.

 مخاطر غياب القيود القانونية على الترسانات

السؤال الذي يرتعد له العالم الآن: هل نحن مقبلون على سباق تسلح نووي لا تحكمه قوانين؟ الإجابة المنطقية هي نعم انتهاء المعاهدة دون بديل يعني عملياً غياب أي سقف لعدد الرؤوس النووية أو وسائل إطلاقها. 

وأشار الخبراء العسكريون إلى أن هذا الوضع يغري القوى العظمى بالعودة لمبدأ "التفوق الكمي" ولقد لفتت التقارير الانتباه إلى أن هذا السباق لن يقتصر على موسكو وواشنطن فقط، بل سيشمل قوى أخرى دخلت على الخط بقوة، مما يجعل مشهد الأمن الدولي أكثر تعقيداً وخطورة من أي وقت مضى منذ ذروة الحرب الباردة.

التنين الصيني في قلب العاصفة.. سر تعثر المفاوضات النووية

أحد الأسباب الجوهرية التي أدت لتعثر تجديد "نيو ستارت" هو دخول أطراف جديدة في الحسابات تشير التحليلات السياسية إلى أن واشنطن أصرت على إشراك الصين في أي اتفاق جديد، خاصة بعد التقارير التي أكدت رفع بكين لترسانتها النووية بشكل غير مسبوق.

 وفي المقابل، طالبت روسيا بضم القوى النووية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا) لأي ميزان قوى جديد. هذا التضارب في المصالح أدى لتجميد المسار التفاضلي بالكامل.

 وأوضح الخبراء أن إصرار كل طرف على شروطه جعل من المستحيل التوصل لنقطة تلاقي قبل فوات الأوان، ليدفع العالم ثمن هذا العناد الدبلوماسي اليوم.

من القنابل الذرية إلى الهيدروجينية.. سر الرعب الكامن في "القدرة التدميرية"

يخطئ من يظن أن انخفاض عدد الرؤوس النووية مقارنة بفترة السبعينات يعني أننا في أمان الحقيقة المرة هي أن القدرة التدميرية للأسلحة الحالية أصبحت أضعاف ما كانت عليه سابقاً. 

وأشار الدكتور يسري أبو شادي إلى أن انتشار القنابل الهيدروجينية والأسلحة النووية التكتيكية والصواريخ "فرط الصوتية" جعل من أي تصعيد محتمل كارثة كونية تتجاوز حدود الخيال. 

وأوضح أن التطور التكنولوجي في وسائل الإطلاق جعل من الصعب جداً اعتراض هذه الأسلحة، مما يرفع من مخاطر "الضربة الاستباقية" ويضع العالم تحت رحمة "زر نووي" قد يضغط عليه أحد الأطراف في لحظة يأس أو خطأ في التقدير.

كيف سيراقب العالم الترسانات النووية بعد اليوم؟

أخطر ما في انتهاء "نيو ستارت" هو غياب آليات الرقابة لم يعد هناك مفتشون دوليون يدخلون القواعد العسكرية الروسية أو الأمريكية للتأكد من الالتزام بالأرقام. 

وأوضح خبراء الأمن الدولي أننا دخلنا عصر "الاستخبارات الفضائية" فقط، وهو وسيلة غير كافية للتأكد من النوايا أو الأعداد الحقيقية. 

وشدد المحللون على أن غياب الشفافية سيولد حالة من "البارانويا" العسكرية، حيث سيفترض كل طرف أن الطرف الآخر يكدس الأسلحة سراً، مما يدفعه للقيام بنفس الشيء، لندخل في حلقة مفرغة من التصعيد النووي الذي لا ينتهي إلا بكارثة.

هل نحن أمام مرحلة "الحرب الباردة الثانية"؟ ملامح عدم الاستقرار النووي

يتفق الجميع على أن العالم اليوم أصبح مكاناً أقل أماناً  انتهاء معاهدة "نيو ستارت" هو نقطة تحول تاريخية قد تؤرخ لبداية "عصر عدم الاستقرار النووي". 

وأشار المتابعون للملف الدولي إلى أن السؤال الأهم لم يعد "متى سيتم التجديد؟"، بل "كيف سنتعايش مع غياب الاتفاق؟" الحقيقة أننا أمام مرحلة تتطلب حكمة استثنائية من القادة لتجنب الصدام. 

وشدد الخبراء على ضرورة تحرك المجتمع الدولي للضغط من أجل اتفاق "إطار عمل" جديد يضم القوى النووية الخمس الكبرى، وإلا فإن البشرية ستظل رهينة لسباق تسلح قد يكون الأخير في تاريخها.

إرسال تعليق

0 تعليقات