![]() |
| الرئيس السيسي يستقبل الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير في القاهرة |
الرئيس السيسي أكد خلال المباحثات على ضرورة البناء على الزخم الذي تولد عن القمة المصرية الأوروبية الأولى، مشدداً على أن الشراكة مع برلين تمثل حجر زاوية في استقرار المنطقة. اللقاء الذي تناول ملفات شائكة بدءاً من تثبيت وقف إطلاق النار في غزة وصولاً إلى التعاون في الطاقة النظيفة، عكس تطابقاً في الرؤى حول "حل الدولتين" وإعادة الإعمار.
فكيف يرى شتاينماير "المعجزة الحضارية" في الجيزة؟ وما هي ملامح التنسيق المصري الألماني لمؤتمر إعادة إعمار غزة في نوفمبر 2025 (والممتد أثره لعام 2026)؟ رحلة في كواليس القمة التي رسمت خارطة طريق جديدة للتعاون بين القاهرة وبرلين تحت ظلال الأهرامات الخالدة.
تقدير مصري للمشاركة الألمانية
رحب الرئيس السيسي بحرارة بنظيره الألماني، معرباً عن تقديره البالغ لتلبية شتاينماير الدعوة والمشاركة في مراسم افتتاح المتحف المصري الكبير. الرئيس اعتبر أن هذا الحضور الألماني رفيع المستوى يعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، ويدلل على الاحترام المتبادل للهوية والثقافة.
السيسي أكد أن المتحف ليس مجرد مبنى، بل هو رسالة مصرية للعالم تعبر عن القدرة على الإنجاز، وأن مشاركة ألمانيا في هذا اليوم التاريخي تعزز من الروابط الإنسانية التي تسبق المصالح السياسية، مشيراً إلى أن عام 2025 سيشهد انطلاقة جديدة في العلاقات الثنائية بفضل هذا الزخم الثقافي والدبلوماسي الفريد.
شتاينماير: إنجاز حضاري عالمي
من جانبه، أبدى الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير انبهاره الشديد بما رآه في الجيزة، واصفاً المتحف المصري الكبير بـ "الإنجاز الحضاري العالمي"، شتاينماير أكد أن هذا الصرح العملاق يعكس عظمة التاريخ المصري ومكانة مصر الراسخة في سجل الإنسانية، مشيداً بالتنظيم الاستثنائي للاحتفالية التي جمعت قادة العالم.
الرئيس الألماني لفت إلى أن مصر تضطلع بدور ريادي في حماية التراث العالمي ونشر قيم السلام، وأن المتحف يمثل "هدية مصر للبشرية" في القرن الحادي والعشرين، مؤكداً أن ألمانيا فخورة بكونها شريكاً لمصر في مسيرة التنمية والتحديث التي تشهدها البلاد في كافة المجالات.
البناء على الزخم الأوروبي
شدد الرئيس السيسي خلال اللقاء على أهمية استثمار النتائج الإيجابية للقمة المصرية الأوروبية الأولى. القاهرة ترى في ألمانيا المحرك الرئيسي للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وتطمح لتعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية لتشمل مجالات أوسع من التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني.
السيسي أوضح أن استقرار مصر هو مفتاح أمن المتوسط، وأن البناء على هذا الزخم سيسهم في مواجهة التحديات المشتركة مثل الهجرة غير الشرعية وتأمين سلاسل الإمداد. اللقاء أكد على أن التعاون المصري الألماني بات نموذجاً يحتذى به في الشراكات المتكافئة التي تهدف لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار للشعبين الصديقين في عام 2025.
غزة وإعادة الإعمار بالقمة
الملف الإقليمي كان حاضراً بقوة على طاولة المباحثات، حيث ركز الرئيسان على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة. السيسي شدد على أهمية ضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل مستدام والإسراع في عمليات إعادة الإعمار، مشيراً إلى نتائج "قمة شرم الشيخ للسلام" كقاعدة للانطلاق نحو حل سياسي شامل.
الرئيس أعرب عن تطلع مصر للتنسيق الوثيق مع برلين في التحضير للمؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة المقرر عقده في نوفمبر 2025. ألمانيا من جهتها أبدت استعداداً كاملاً للمساهمة بخبراتها الفنية والتمويلية في هذا الإطار، إيماناً منها بدور مصر المحوري كوسيط نزيه وقوي في المنطقة.
إشادة بجهود الوساطة المصرية
أعرب شتاينماير عن تقدير بلاده الكبير للدبلوماسية المصرية التي نجحت في التوصل لاتفاقات صعبة لوقف الحرب. الرئيس الألماني أكد أن برلين ترى في مصر "ركيزة الاستقرار" في الشرق الأوسط، وتثمن جهودها المستمرة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة.
كما جدد شتاينماير تأكيد موقف ألمانيا الداعم لـ "حل الدولتين" باعتباره السبيل الوحيد والمنطقي لتحقيق سلام دائم وعادل، مشيراً إلى أن الحكومات الألمانية المتعاقبة تضع هذا الملف على رأس أولوياتها في السياسة الخارجية بالتعاون مع القاهرة، التي تمتلك مفاتيح الحل والربط في هذا الملف الشائك.
تعاون اقتصادي وطاقة نظيفة
انتقل النقاش إلى الشق التنموي، حيث بحث الرئيسان سبل تعزيز الاستثمارات الألمانية في مصر، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة الجديدة والمتجددة. ألمانيا، التي تعد رائدة في تكنولوجيا الطاقة النظيفة، ترى في مصر شريكاً واعداً بفضل مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية.
السيسي أكد أن مصر توفر بيئة استثمارية جاذبة للشركات الألمانية، خاصة في قطاع التصنيع والنقل، مستشهداً بالتعاون الناجح مع شركة "سيمنز" في مشروع القطار الكهربائي السريع. هذا التعاون لا يهدف فقط للربح التجاري، بل لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المصرية، مما يسهم في تحقيق "رؤية مصر 2030" بلمسة ألمانية احترافية.
التعليم والشراكة الثقافية المستمرة
لم يغب الملف التعليمي والثقافي عن اللقاء، حيث أشاد الرئيسان بالجامعة الألمانية بالقاهرة والمدارس الألمانية كجسور للتواصل الحضاري. شتاينماير أكد أن التعاون التعليمي هو استثمار طويل الأمد في بناء الإنسان، وهو ما تولي له برلين اهتماماً خاصاً، السيسي أعرب عن تطلعه لزيادة عدد المنح الدراسية والتبادل الطلابي، لتعزيز الروابط بين الشباب في البلدين.
افتتاح المتحف المصري الكبير كان فرصة لتجديد الالتزام الألماني بدعم المشروعات الثقافية والأثرية في مصر، حيث تساهم البعثات الألمانية منذ عقود في اكتشاف وترميم الآثار المصرية، مما يخلق حالة من "التوأمة الثقافية" التي تخدم العلم والإنسانية.
خارطة طريق للمستقبل
فإن قمة السيسي وشتاينماير في رحاب المتحف المصري الكبير هي رسالة ثقة متبادلة بين القاهرة وبرلين. اللقاء وضع النقاط على الحروف في ملفات السياسة والاقتصاد والأمن، وأكد أن الشراكة المصرية الألمانية هي صمام أمان في عالم مليء بالاضطرابات.
من الجيزة، انطلقت اليوم دعوة للعمل المشترك من أجل السلام والتنمية، لتظل مصر هي "البوابة الموثوقة" لأوروبا في المنطقة، وألمانيا هي "الشريك الاستراتيجي" الذي يدعم طموحات المصريين.
في عام 2025، ومع استمرار صدى هذا الافتتاح الأسطوري، تمضي مصر وألمانيا بخطى ثابتة نحو مستقبل يجمع بين عراقة التاريخ وحداثة الابتكار، لتظل القمة المصرية الألمانية شاهداً حياً على قوة الإرادة المشتركة في صنع عالم أفضل.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”