![]() |
| المندوب الروسي يعلق على قرار ترامب بإعادة التجارب النووية الأمريكية |
هذا الإعلان الذي جاء كالصاعقة في نهاية أكتوبر 2025، لم يمر مرور الكرام في أروقة الكرملين؛ حيث اعتبره المندوب الروسي الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، خطوة تفتح "صندوق باندورا" لسباق تسلح نووي لا يمكن التنبؤ بنهايته.
ترامب، الذي يبدو أنه يتبنى سياسة "الردع الهجومي" في ولايته الجديدة، أصدر تكليفات مباشرة للبنتاجون لإعادة تشغيل برامج الاختبارات، متذرعاً بضرورة تحقيق "المساواة النووية" مع القوى الكبرى. هذا التطور يضع العالم في عام 2025 أمام حقيقة مرة: معاهدات الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT) التي صمدت لعقود أصبحت الآن مجرد حبر على ورق.
فما هي الأهداف الخفية وراء قرار ترامب المفاجئ؟ وكيف سترد روسيا والصين على هذا التحدي الذي يعيد ذكريات الحرب الباردة في أبشع صورها؟ وهل نحن بصدد مشهد انفجار نووي تجريبي قريب يهز صحراء نيفادا ويغير وجه الدبلوماسية الدولية للأبد؟
غضب روسي وتشكيك رسمي
أعربت موسكو عن استيائها الشديد من الضبابية التي تغلف القرار الأمريكي. المندوب الروسي ميخائيل أوليانوف، عبر منصة "إكس"، وصف الخطوة بأنها "تثير تساؤلات جادة" وتحتاج إلى إجابات رسمية من الإدارة الأمريكية.
روسيا ترى أن تذرع ترامب بوجود تجارب مماثلة لدى القوى الأخرى هو محض "مغالطة سياسية"؛ حيث أكدت موسكو مراراً أن اختباراتها تقتصر على أنظمة الإطلاق والتوصيل (مثل الصواريخ والطوربيدات) دون إجراء أي تفجيرات نووية حقيقية منذ عقود.
هذا التشكيك الروسي يعكس تخوفاً عميقاً من أن واشنطن تخطط لتطوير جيل جديد من الرؤوس النووية المصغرة التي يمكن استخدامها في نزاعات إقليمية، مما يكسر "تابو" السلاح النووي ويجعله سلاحاً قابلاً للاستخدام الميداني وليس مجرد أداة للردع الاستراتيجي.
البنتاجون ومهام إعادة التشغيل
التكليف الصادر من البيت الأبيض لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) لم يكن مجرد توصية، بل كان أمراً تنفيذياً بالاستعداد اللوجستي والفني لمواقع التجارب.
تقارير استخباراتية تشير إلى أن مواقع الاختبار في "نيفادا" بدأت تشهد تحركات غير عادية لإعادة تأهيل الأنفاق والمختبرات التحت أرضية. يرى الصقور في إدارة ترامب أن التوقف عن التجارب النووية أدى إلى تراجع "موثوقية" الترسانة الأمريكية مقارنة بالتقدم السريع الذي تحرزه روسيا في مجال الأسلحة الفرط صوتية والطوربيدات النووية مثل "بوسيدون".
بالنسبة للبنتاجون، استئناف التجارب هو ضرورة تقنية للتأكد من كفاءة الرؤوس النووية القديمة وتجربة تصاميم جديدة تتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين، وهو ما تعتبره موسكو ذريعة لشرعنة الانقلاب على الاتفاقيات الدولية.
انهيار معاهدة الحظر الشامل
تمثل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT) حجر الزاوية في نظام عدم الانتشار العالمي. وبالرغم من أن الولايات المتحدة لم تصدق عليها رسمياً، إلا أنها كانت تلتزم بـ "وقف اختياري" للتجارب منذ عام 1992.
قرار ترامب يعني عملياً إلقاء هذه المعاهدة في سلة المهملات، موسكو حذرت من أن هذا التوجه سيجبر بقية القوى النووية، بما في ذلك الصين وفرنسا وبريطانيا، على مراجعة مواقفها.
فإذا بدأت واشنطن بالتفجيرات، فلن يجد الكرملين بداً من العودة إلى ميدان "نوفايا زيمليا" لإجراء تجارب مماثلة للحفاظ على توازن القوى. هذا الانهيار الوشيك للمنظومة القانونية الدولية يضع منظمة الأمم المتحدة في موقف حرج، ويهدد بفرط عقد السلم العالمي الذي استند لسنوات على "توازن الرعب" المنضبط بالقانون.
مغالطة المساواة النووية الأمريكية
يركز الخطاب السياسي لترامب على فكرة أن "الآخرين يفعلون ذلك، فلماذا لا نفعل نحن؟". لكن أوليانوف فند هذا المنطق بوضوح، مشيراً إلى أن القوى النووية الكبرى (روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا) لا تزال ملتزمة بوقف التفجيرات النووية الحقيقية.
الاختبارات الروسية الأخيرة، بما فيها تجربة "بوسيدون" و"بوريفيستنيك"، هي اختبارات ميكانيكية وهندسية للمحركات وأنظمة التوجيه وليست تفجيرات لرؤوس حربية. واشنطن تحاول خلط الأوراق لتبرير رغبتها في العودة للمختبرات النووية النشطة. هذا الخلط المتعمد يهدف، حسب الرؤية الروسية، إلى تضليل الرأي العام العالمي وتصوير الولايات المتحدة في موقع "الضحية" التي تحاول اللحاق بالركب، بينما الحقيقة هي رغبة في الهيمنة التكنولوجية المطلقة.
سباق تسلح جديد ومخاطر إقليمية
المراقبون الدوليون يجمعون على أننا بصدد "بداية النهاية" لعصر الحد من التسلح. استئناف التجارب النووية سيؤدي حتماً إلى تطوير أسلحة أكثر فتكاً وأصغر حجماً وأصعب في الرصد.
هذا السباق لن يقتصر على "الثلاثي الكبير" (أمريكا، روسيا، الصين)، بل سيمتد ليشمل قوى نووية أخرى مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، وربما يحفز دولاً أخرى على السعي لامتلاك السلاح النووي ما دام النظام الدولي قد فقد انضباطه.
الخطورة تكمن في أن التجارب النووية تزيد من "شهية" القادة العسكريين لاستخدام هذه الأسلحة في نزاعات محدودة، مما يرفع احتمالية نشوب حرب نووية شاملة عن طريق الخطأ أو سوء التقدير، وهو الكابوس الذي حاول العالم تجنبه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
موقف الصين والاتحاد الأوروبي
من المتوقع أن يثير قرار ترامب ردود فعل عنيفة من جانب بكين، التي تتبع سياسة "الحد الأدنى من الردع" ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تفوق تكنولوجي أمريكي جديد. أما الاتحاد الأوروبي، فيجد نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ فهو الحليف التقليدي لواشنطن لكنه المدافع الشرس عن المعاهدات الدولية.
العواصم الأوروبية، وخاصة باريس وبرلين، تخشى من أن يؤدي التصعيد الأمريكي الروسي إلى تحويل القارة العجوز مرة أخرى إلى "ساحة معركة" محتملة للأسلحة النووية التكتيكية.
الضغوط الدولية ستتزايد داخل الأمم المتحدة لثني ترامب عن هذه الخطوة، لكن لغة "أمريكا أولاً" التي يتبناها ترامب توحي بأنه لن يكترث بالنداءات الدبلوماسية ما لم تكن هناك مقايضة استراتيجية كبرى.
الشفافية كشرط لتجنب الصدام
دعت موسكو واشنطن صراحة إلى الشفافية. المطالبة بتوضيح "طبيعة الاختبارات" هي محاولة لفتح قناة اتصال تمنع الانزلاق نحو المواجهة. روسيا تريد أن تعرف: هل هذه تجارب "دون حرجة" (Subcritical) لا تتضمن تفجراً نووياً متسلسلاً، أم أنها تفجيرات كاملة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مسار السياسة الدفاعية الروسية في 2025.
إذا كانت واشنطن جادة في تجنب الحرب الباردة، فعليها تقديم ضمانات فنية تخضع للرقابة الدولية، وهو أمر يبدو مستبعداً في ظل إدارة ترامب التي تميل إلى السرية والتحركات الأحادية. غياب الشفافية يعني أن كل طرف سيفترض الأسوأ من جانب الآخر، مما يؤدي إلى دورة لا نهائية من التصعيد العسكري والنووي.
مستقبل الأمن النووي العالمي
في عام 2025، يبدو أن العالم قد دخل منطقة "انعدام الوزن" الاستراتيجي. قرار ترامب استئناف التجارب النووية، ومطالبة موسكو بتوضيحات عاجلة، هي مجرد قمة جبل الجليد في صراع سيحدد من سيقود النظام العالمي الجديد.
السلاح النووي لم يعد مجرد أداة سياسية، بل عاد ليكون "قلب" العقيدة العسكرية للدول الكبرى. استقرار النظام العالمي بات مهدداً بـ "هزة أرضية" قد يكون مصدرها نيفادا أو نوفايا زيمليا، والضحية الوحيدة ستكون الاتفاقيات التي حافظت على بقاء البشرية لأكثر من سبعة عقود. إنها لحظة الحقيقة، حيث تتصادم الإرادات السياسية فوق ركام المعاهدات الدولية، بانتظار توضيح من واشنطن قد ينزع فتيل الأزمة أو يشعل ناراً لا تبقي ولا تذر.
العالم يترقب "كلمة السر" من واشنطن
فإن المطالبة الروسية بتوضيح عاجل من الولايات المتحدة ليست مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل هي "فرصة أخيرة" لمنع انهيار الهيكل الأمني العالمي. قرار ترامب أعاد لغة التهديد والوعيد إلى الصدارة، وجعل من "التجربة النووية" وسيلة للضغط السياسي الفج.
في عام 2025، يترقب الجميع الرد الأمريكي؛ فإما أن تقدم واشنطن ضمانات تعيد الثقة في نظام الحظر الشامل، وإما أن نمضي قدماً في طريق اللاعودة نحو سباق تسلح مرعب.
التاريخ يعلمنا أن الشرارة الأولى للتجارب غالباً ما تنتهي بحرائق كبرى، ومسؤولية القوى العظمى اليوم هي إطفاء هذا الفتيل قبل أن يتحول التوضيح المطلوب إلى بيان نعي للأمن القومي لجميع شعوب الأرض. إنها ساعة الصفر النووية، والكرة الآن في ملعب البيت الأبيض لتحديد مصير الكوكب.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”