🌍 Translate

كود اعلان

الشيخ خالد الجندي: فتنة المال اختبار من الله والغنى ليس دليلًا على الرضا الإلهي

الشيخ خالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يتحدث عن فتنة المال والرزق في برنامج لعلهم يفقهون على قناة دي إم سي.
الشيخ خالد الجندى 

في واحدة من أعمق الحلقات التربوية لبرنامج "لعلهم يفقهون" على قناة DMC، أعاد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، صياغة مفهومنا الشعبي عن الرزق والرضا الإلهي.
انطلق الجندي من النص القرآني المزلزل في سورة الكهف حول "الرجلين والجنتين"، ليؤكد أن الثراء الفاحش قد يكون في باطنه "فخاً" إلهياً، وأن الفقر الذي نهرب منه قد يكون "حماية" ربانية. 
في زمنٍ صار فيه المال هو "المعبود الجديد" والمقياس الوحيد لنجاح الإنسان،جاءت كلمات الجندي لتعيد ترتيب الأولويات؛ فالغنى ليس شهادة حسن سير وسلوك من الله، والمنع ليس إهانة.
 وبأسلوبه الذي يجمع بين النص الشرعي والواقع الإنساني، كشف الجندي كيف أن الدنيا "دار امتحان" وليست "دار جزاء"، فمن يضحك اليوم بماله قد يبكي غداً بفتنته، فما هي أسرار الاختبار الذي سقط فيه صاحب الجنتين؟ وكيف ننجو من "فخ القيمة المالية" في عام 2026؟

فتنة "صاحب الجنتين".. عندما يتحول العطاء إلى حجاب عن الخالق

أوضح الشيخ خالد الجندي أن الله عز وجل ضرب لنا مثلاً برجلين؛ أحدهما غرق في نعم الله حتى أنكر البعث وتكبر على رفيقه، والآخر مؤمن صابر عرف قدر الله، النكتة الإيمانية هنا، كما يحللها الجندي، هي أن الله هو الذي "جعل" و"حفف" و"جعل"؛ أي أن الفضل كله لله، لكن صاحب الجنتين نسب الفضل لنفسه ولذكائه.
هذا هو جوهر "فتنة المال"؛ أن يحجبك الرزق عن الرزاق، حذر الجندي من أن الثراء الذي يدفع الإنسان للتعالي على الخلق هو في الحقيقة "عقوبة مقنعة"، لأن الله استدرجه من حيث لا يعلم، فليس كل من فتح الله له أبواب الدنيا هو "ولي من أولياء الله"، بل قد يكون ممن قال الله فيهم: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون".

العدل الإلهي في "العطاء والمنع"

أكد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن الخطأ العقدي الأكبر هو الربط بين "المال" و"المحبة الإلهية". استشهد الجندي بقوله تعالى: "كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ"، ليوضح أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، لكنه لا يعطي "الدين والرضا" إلا لمن يحب.
العطاء المادي هو "أداة اختبار"؛ فالغني يختبر في شكره وزكاته وتواضعه، والفقير يختبر في صبره وعزته ورضاه، ومن هنا، فإن الفقر لا يعني غضب الله، بل قد يكون صوناً للعبد من الطغيان، فلو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، المنع هنا هو في الحقيقة "عين العطاء"، لأنه حمى العبد من فتنة لا يطيقها.

الدنيا ليست معياراً للتفوق

توقف الشيخ خالد الجندي طويلاً عند بيت الشعر الشهير للإمام الشافعي: "تموت الأُسْدُ في الغاباتِ جوعًا، ولحمُ الضأنِ يُرمى للكلاب"، هذا البيت، في رؤية الجندي، هو تلخيص بليغ لعدم منطقية توزيع الأرزاق بالمعايير البشرية.
فالأسد بقوته وعظمته قد لا يجد طعاماً، بينما الكلب (وهو أدنى مرتبة في المثال) قد يجد وفرة من اللحم، هذا يؤكد أن الدنيا "لا تزن عند الله جناح بعوضة"، ولو كانت تزن ذلك ما سقى كافراً منها شربة ماء، الدنيا ليست معياراً للتفوق؛ فكم من مغمور في الأرض مشهور في السماء، وكم من صاحب ملايين لا يذكره الله في الملأ الأعلى إلا بسوء صنيعه.

كيف نغرس قيمة "الاستغناء بالله" في شبابنا؟

في فقرة "حوار الأجيال"، شدد الجندي على ضرورة تعليم الأبناء أن قيمتهم الشخصية تنبع من "أخلاقهم وإيمانهم" لا من "ماركة ملابسهم أو نوع سياراتهم".
نحن نعيش في عصر "الاستعراض الرقمي" حيث يتباهى الناس بما يملكون، مما خلق عقدة نقص لدى الفقراء وغروراً لدى الأغنياء. الرسالة التي أراد الجندي إيصالها هي أن المؤمن الحقيقي يملك الدنيا في يده لا في قلبه؛ إذا جاءت لم تبطره، وإذا ذهبت لم تكسره،الاستغناء بالله هو الغنى الحقيقي، وهو الذي يحمي الشاب من اليأس إذا ضاقت عليه الأسباب، ويحميه من الطغيان إذا فُتحت له الأبواب.

الغنى والفقر.. وجهان لعملة واحدة تسمى "الابتلاء"

أشار الشيخ خالد الجندي إلى أن الله سمى المال والولد "فتنة" في القرآن، والفتنة في اللغة تعني "الاختبار بالصهر" ليظهر المعدن الأصيل. المؤمن لا يُقاس بما يملك من سلطان، بل بما يملك من "صبر وشكر".
الغالب في هذا الامتحان هو من استطاع أن يحمد الله في السراء والضراء. الغنى مسؤولية ثقيلة سيسأل عنها الإنسان "من أين اكتسبه وفيم أنفقه"، بينما الفقير حسابه أخف، ومن هنا، فإن من يغبط الغني على ماله دون أن يدرك ثقل حسابه هو إنسان "جاهل بمراد الله". الرضا بقضاء الله هو "الجنة المعجلة" في الدنيا، وهو الذي يجعل القلب مستقراً مهما تعاقبت عليه أحوال الغنى والمنع.

التقوى هي الرصيد الذي لا ينفد

فإن ما طرحه الشيخ خالد الجندي يمثل دعوة لاستعادة "التوازن القلبي"، سورة الكهف بقصة الرجلين تذكرنا كل جمعة أن الجنتين قد تصبحان صعيداً زلقاً في لحظة، وأن كلمة "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" هي الحصن الوحيد للنعمة.
في عام 2026، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والمادية، نحتاج أن ندرك أن الله ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، لا إلى صورنا وأموالنا. التقوى هي المقياس الحقيقي، والعمل الصالح هو العملة الوحيدة المقبولة في بنك الآخرة، لنجعل قلوبنا عامرة بالرضا، ولنعلم أن ملك الملوك يعطي الدنيا لمن يشاء، لكنه يمنح "السكينة" فقط لمن عرفه حق المعرفة ورضي بقسمته.

إرسال تعليق

0 تعليقات