![]() |
| الدكتور إبراهيم الهدهد |
المقاصد الشرعية كدساتير مدنية فلسفة إبراهيم الهدهد في بناء الأمم
أوضح الدكتور إبراهيم الهدهد أن الخطأ الشائع هو حصر "مقاصد الشريعة" في الإطار الديني الضيق. والحقيقة أنها تمثل الأمن القومي الشامل لأي دولة. فكل شريعة سماوية، بل وكل قانون وضعي ناجح، لابد أن يستهدف حماية هذه الضرورات. إن الاعتداء على أي ركن من هذه الخمسة هو اعتداء مباشر على كيان الدولة. فالدولة التي لا تحمي عقول أبنائها من الجهل، أو أموالهم من الفساد، أو أرواحهم من القتل، هي دولة هشة تفقد شرعية وجودها الأخلاقي والواقعي. لذا، فإن حفظ المقاصد هو الطريق الوحيد لتحقيق النهضة والسيادة.
الركن الأول: حفظ الدين كمرجعية أخلاقية ووحدة مجتمعية
يرى رئيس جامعة الأزهر الأسبق أن حفظ الدين هو الضمانة الأولى لتماسك النسيج الاجتماعي. فالدين يمثل "الترمومتر الأخلاقي" الذي يحدد الصواب من الخطأ، ويجمع الأفراد على قيم مشتركة مثل الأمانة والعدل والإخلاص. الحفاظ على الدين يعني حمايته من التطرف والغلو من جهة، ومن الإساءة والازدراء من جهة أخرى. وعندما يكون الدين حصيناً، يصبح المواطن رقيباً على نفسه قبل أن يكون القانون رقيباً عليه، مما يقلل من نسب الجريمة والفساد ويخلق حالة من الانسجام المجتمعي الذي يمهد لبناء دولة قوية.
الركن الثاني: حفظ النفس قدسية الروح وأمان المواطن
أكد الدكتور إبراهيم الهدهد أن حفظ النفس هو جوهر العدالة الإنسانية. فلا يمكن لدولة أن تنهض وأبناؤها يشعرون بالخطر على حياتهم. الشريعة وضعت أقسى العقوبات لكل من يتعدى على النفس البشرية لأنها "بنيان الله في الأرض". حماية الأرواح لا تتوقف عند منع القتل، بل تمتد لتشمل توفير الرعاية الصحية، والأمن الغذائي، وبيئة العمل الآمنة. إن احترام حق الحياة هو الركن الذي تقوم عليه المواطنة الحقيقية، وأي تهاون في دماء المواطنين أو حقوقهم الجسدية يعني هدم العمود الفقري للدولة وسقوطها في فخ الغابة.
الركن الثالث: حفظ العقل سلاح التعليم ومحاربة السموم
في لفتة ذكية، ربط الهدهد بين حفظ العقل وبين التطور التكنولوجي والثقافي. فالعقل هو الأداة التي ميز الله بها الإنسان، وتعطيله يعني العودة إلى الجاهلية. حفظ العقل يتطلب محاربة كل ما يغيبه، بدءاً من المخدرات والمسكرات التي تدمر الشباب، وصولاً إلى الأفكار الهدامة والشائعات التي تضلل الرأي العام. وأشار الهدهد إلى أن التعليم والثقافة هما الحارس الأمين للعقل البشري؛ فالدولة التي تستثمر في عقول أبنائها هي التي تملك مفاتيح المستقبل، والاعتداء على العقل بنشر الجهل هو خيانة لمستقبل الأمة.
الركن الرابع: حفظ المال عصب الاقتصاد والعدالة المالية
تحدث الدكتور إبراهيم الهدهد بإسهاب عن حفظ المال، معتبراً إياه عصب الاستقرار الاقتصادي. إن صيانة الأموال ومنع السرقة والنهب والرشوة والفساد الإداري هو ما يجذب الاستثمارات ويحقق التنمية. وضرب مثالاً بـ "التطفيف في الكيل والميزان"، موضحاً أنه ليس مجرد ذنب ديني، بل هو اعتداء على الاستقرار المالي وفساد للعلاقات التجارية. الدولة التي تحمي ملكية أفرادها وتطبق قوانين صارمة ضد الغش والفساد، هي التي تضمن تدفق الموارد وتحقيق الرخاء لجميع المواطنين دون تمييز.
الركن الخامس: حفظ العرض كرامة الإنسان كخط أحمر
لم يغفل الهدهد عن حفظ العرض والشرف، مؤكداً أن كرامة الإنسان هي أغلى ما يملك. إن حماية الأعراض من الاعتداء اللفظي (القذف والسب) أو الجسدي والمعنوي، هي التي تضمن تماسك الأسرة التي تعد اللبنة الأولى في بناء المجتمع. الاعتداء على العروض يؤدي إلى ثارات ونزاعات وتفكك ينهك قوى الدولة في صراعات داخلية. لذا، فإن حماية خصوصية الإنسان وشرفه هي جزء أصيل من منظومة حقوق الإنسان في الإسلام، وهي شرط ضروري لسيادة المودة والثقة بين أفراد الشعب الواحد.
التطفيف كنموذج للخراب: كيف يهدم السلوك الفردي هيبة الدولة؟
حذر الدكتور إبراهيم الهدهد من الاستهانة بصغائر الأفعال غير الأخلاقية، موضحاً أن "التطفيف" والغش في المعاملات اليومية يمثل اعتداءً مركباً على المال والنفس والعرض. فعندما يغش التاجر، هو يسرق المال، ويؤذي نفسية المشتري، ويهتك عرض الأمانة بينهما. هذه السلوكيات إذا انتشرت، أفقدت المؤسسات مصداقيتها وجعلت الدولة غابة من الصراعات. وشدد على أن الوازع الأخلاقي لابد أن يسبق الوازع القانوني، لأن القوانين مهما بلغت صرامتها لا يمكنها مراقبة كل فرد في كل لحظة، بينما القيم المقاصدية تعمل كرقيب داخلي لا ينام.
المسؤولية المشتركة بين الحاكم والمحكوم
اختتم رئيس جامعة الأزهر الأسبق رؤيته بالتأكيد على أن بناء دولة قوية هو "مشروع جماعي". فالدولة مسؤولة عن سن القوانين وتوفير الحماية، ولكن الفرد مسؤول عن الالتزام بالقيم والمبادئ. إن تحقيق المقاصد الخمسة هو السبيل الوحيد لخروج الأمم من كبواتها. ودعا الهدهد إلى ضرورة تدريس هذه المفاهيم للشباب ليعرفوا أن دينهم هو محرك للتنمية والتحضر، وليس مجرد طقوس. إن التنمية المستدامة تبدأ من حفظ هذه الضرورات، وبدونها تظل الدولة في مهب الريح مهما بلغت قوتها العسكرية أو المادية.
المقاصد الخمسة هي صمام أمان الأوطان
يظل حديث الدكتور إبراهيم الهدهد وثيقة هامة لكل باحث عن سبل الاستقرار. إن الأعمدة الخمسة (الدين، النفس، العقل، المال، العرض) هي صمام الأمان الذي يحمي الدولة من التحلل والانهيار. تطبيق هذه المقاصد في حياتنا المعاصرة يعني مجتمعاً متعلماً، اقتصاداً نزيهاً، أمناً مستتباً، وكرامة مصونة. هذه هي الدولة التي يحلم بها الجميع، وهي الدولة التي أسست لها الشريعة منذ أكثر من 1400 عام، وتؤكدها تجارب الأمم الناجحة اليوم.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”