🌍 Translate

كود اعلان

بين غيبوبة القبر ومشهد الموت الأخير.. أسرار مروعة في حياة الشرير الطيب محمود المليجي

الفنان الراحل محمود المليجي في لقطة نادرة من أحد أفلامه
الفنان الراحل محمود المليجي في لقطة نادرة من أحد أفلامه

 يظل الفنان القدير محمود المليجي حالة استثنائية في تاريخ الفن المصري، فهو "أنتوني كوين العرب" الذي استطاع ببراعة فائقة أن يقنع المشاهد بأنه أعتى مجرمي السينما، بينما كان في الحقيقة يمتلك قلباً يفيض بالطيبة والهشاشة الإنسانية. هذه الازدواجية بين الشخصية الفنية والواقعية لم تكن هي الأمر الغريب الوحيد في حياته، بل إن القدر نسج له أحداثاً تفوق في دراميتها أغرب روايات الخيال. فمن مأساة اكتشافه دفن شقيقته وهي لا تزال على قيد الحياة، إلى لحظة رحيله الدرامية وهو يمثل مشهد الموت، تبدو حياة المليجي وكأنها سلسلة من "المصادفات المرعبة" التي جعلت من نهايته واحداً من أكثر الألغاز إثارة في تاريخ الوسط الفني.

الشرير الطيب.. صراع الشخصية القوية في السينما والاستسلام في المنزل

على الشاشة، كان محمود المليجي يزلزل الأرض تحت أقدام منافسيه بنظرة عين واحدة، لكن في منزله، كانت الصورة مغايرة تماماً. اتقن المليجي أدوار الشر لدرجة أن الناس كانت تخشاه في الشوارع، لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت زوجته الفنانة علوية جميل هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة. عُرفت علوية جميل بصرامتها الشديدة وقوة شخصيتها، لدرجة أنها كانت تفرض حصاراً على أصدقاء المليجي وتمنعهم من دخول منزله في كثير من الأحيان. هذه الطيبة المفرطة في شخصية المليجي هي التي جعلته يتحمل هذا التسلط لسنوات طويلة، مفضلاً السكينة الأسرية على المواجهات، وهو ما يعكس الجانب "المسالم" الذي لم يعرفه الجمهور عن وحش الشاشة.

السر المروع.. كيف اكتشف المليجي أنه دفن شقيقته وهي حية؟

واحدة من أبشع التجارب الإنسانية التي يمكن أن يمر بها بشر، هي تلك التي رواها محمود المليجي في أحد حواراته النادرة. حكى المليجي أن شقيقته كانت تعاني من مرض عضال استمر معها لأكثر من 20 عاماً، وفي أحد الأيام أعلن الأطباء وفاتها. قام المليجي بنفسه بإنهاء إجراءات الدفن ووارى جسدها التراب وهو في حالة حزن شديد. لكن الصدمة الكبرى جاءت بعد سنوات طويلة، حين ذهب المليجي لفتح المقبرة لدفن قريب آخر له.

عندما فتح المليجي "العين" الخاصة بشقيقته، وجد مفاجأة زلزلت كيانه؛ حيث وجد جثمان شقيقته في مكان مغاير تماماً للمكان الذي وضعها فيه بيده، ووجد آثار محاولات لتحريك غطاء الكفن. حينها فقط أدرك المليجي الحقيقة المروعة: شقيقته لم تكن ميتة حين دفنها، بل كانت في "غيبوبة" طويلة أخطأ الأطباء في تشخيصها على أنها وفاة، واستيقظت داخل القبر لتواجه مصيرها وحيدة تحت الأرض. هذا الموقف ظل يطارد المليجي كالكابوس حتى آخر أيام حياته، وكان يلوم نفسه دائماً على تسرعه في الدفن.

كواليس مشهد الموت الأخير أمام عمر الشريف في فيلم "أيوب"

لم تكن نهاية محمود المليجي أقل درامية من قصصه الحياتية؛ ففي يوم 6 يونيو 1983، كان المليجي يصور آخر مشاهده في فيلم "أيوب" داخل الاستوديو. كان يجلس بجوار النجم العالمي عمر الشريف والمخرج هاني لاشين، وبينما كانا يستعدان لبدء تصوير المشهد، بدأ المليجي يتحدث عن فلسفة الحياة والموت بطريقة غريبة، قائلاً: "الحياة دي غريبة جدًا.. الواحد ينام ويصحي وينام..".

وفجأة، وأمام ذهول الجميع، بدأ المليجي يمثل مشهد الوفاة المطلوب منه في السيناريو، فوضع رأسه ببطء شديد على الطاولة وأطلق أنيناً خافتاً. عمر الشريف، الذي كان يراقبه بذهول من شدة إتقانه للدور، اعتقد أن المليجي "يتقمص" الشخصية لدرجة العبقرية، فبدأ يمازحه ويقول له: "إيه يا محمود.. قوم بقى كفاية تمثيل". حتى الحضور في الاستوديو بدأوا يصفقون بحرارة لهذا الأداء الإعجازي، لكن التصفيق تحول إلى صراخ ونحيب عندما اكتشفوا أن المليجي لم يكن يمثل، بل كان يخرج أنفاسه الأخيرة فعلاً، ليكون مشهد موته السينمائي هو مشهد وفاته الحقيقي في واحدة من أغرب صدف القدر.

تأثير محمود المليجي في السينما المصرية والعالمية

لقب أنتوني كوين العرب لم يأتِ من فراغ؛ فقدرة المليجي على التلون وتجسيد الانفعالات الداخلية جعلته مدرسة يتلقى منها الأجيال دروساً في فن التمثيل. ورغم أن السينما حصرته لسنوات في أدوار الشر، إلا أن المخرج الكبير يوسف شاهين استطاع أن يعيد اكتشافه في فيلم "الأرض"، ليقدم دور الفلاح "محمد أبو سويلم" الذي يدافع عن أرضه حتى الموت، وهو الدور الذي اعتبره النقاد أعظم أداء في تاريخ السينما العربية. المليجي أثبت أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع تطويع ملامحه القاسية لخدمة قضايا إنسانية نبيلة، تماماً كما كان يفعل في حياته الواقعية التي أخفاها عن الأضواء.

 المليجي بين الواقع والتمثيل

وتبقى  حكاية محمود المليجي هي الحكاية الأكثر شجناً في تاريخ الفن. ذلك الرجل الذي عاش يوزع الرعب على الشاشة، مات وهو يوزع الإبداع في آخر لحظات حياته. قصة شقيقته التي دفنها حية ستظل درساً في قسوة القدر، ووفاته أمام الكاميرا ستظل لغزاً حول مدى تداخل الفن مع الواقع. نحن في الحقيقة نيوز نخلد ذكرى هؤلاء العمالقة الذين لم تكن حياتهم مجرد تمثيل، بل كانت رحلة إنسانية مليئة بالأسرار والدروس. رحل المليجي بجسده، لكنه ترك لنا أرشيفاً سينمائياً وتاريخاً شخصياً يجعلنا نقف له دائماً احتراماً وتقديراً، فنان لم يمت، بل اختار أن ينام "نومته الأخيرة" وهو في قمة عطائه.

إرسال تعليق

0 تعليقات