أغسطس اللاهب.. كواليس التصوير في زمن ما قبل التكييف
أوضحت الفنانة عقيلة راتب في مقالها أن تصوير الأعمال الفنية في فصل الصيف كان بمثابة عقوبة جسدية، خاصة في زمن لم تكن فيه تكنولوجيا التبريد وأجهزة التكييف قد عرفت طريقها إلى استوديوهات التصوير. كانت الكشافات الضخمة المستخدمة في الإضاءة ترفع درجة حرارة البلاتوه إلى مستويات قياسية، مما يحول الاستوديو إلى فرن حقيقي. وفي أحد أفلامها التي تم تصويرها في شهر أغسطس، كان عليها أن تؤدي مشهداً يتطلب مجهوداً عضلياً شاقاً وجرياً متواصلاً، وهو ما وضع قدرتها على التحمل في اختبار حقيقي أمام كاميرات المخرج.
مشهد السلالم القاتل.. جري ومعاناة وسط العرق والدموع
اقتضت أحداث الفيلم أن تقوم عقيلة راتب بصعود سلم مرتفع وهي تجري بأقصى سرعتها، بينما يلاحقها زميل آخر حتى نهاية السلم، ثم تعاود النزول بسرعة والزميل يحاول اللحاق بها. تكمن المشكلة الكبرى في أن الفنان الذي كان يشاركها المشهد كان بديناً وذو وزن ثقيل للغاية، وهو ما تسبب في كارثة تكرار المشهد. ففي كل مرة يصعد فيها الزميل لنهاية السلم، كان يتعثر في خطواته الأخيرة، مما يضطر المخرج لإيقاف التصوير وإعادة المشهد من البداية، لتجد عقيلة نفسها تكرر هذه العملية المرهقة تحت وطأة الحرارة الشديدة.
![]() |
| الفنانة عقيلة راتب في أحد أفلامها القديمة |
30 مرة صعوداً وهبوطاً.. ضريبة الكمال الفني
بسبب تعثر الزميل المتكرر، اضطرت عقيلة راتب لصعود وهبوط السلم أكثر من 30 مرة جرياً. ومع كل إعادة، كانت حرارة الاستوديو ترتفع، وغرقت الفنانة الكبيرة في بحر من العرق، مما أدى لفساد المكياج الخاص بالشخصية وتلف تصفيفة الشعر. كان عليها في كل مرة أن تمسح عرقها وتعيد وضع أدوات التجميل التي كانت تسيح بسبب الحرارة والمجهود، ثم تبدأ الجري من جديد بنفس الحماس المطلوب درامياً. هذا المجهود الخرافي استنزف طاقتها تماماً، حتى بدأت تشعر بدوار حاد ودوخة لم تقو معها على الوقوف، مما أجبر المخرج على تأجيل التصوير خوفاً من فقدانها للوعي.
رسالة عقيلة راتب للجمهور حول عذاب الفنانين
أرادت الفنانة الكبيرة من خلال مقالها جحيم في الاستديو أن توصل رسالة هامة للجمهور الذي يصفق للنجوم في دور العرض. فقد تمنت أن يعرف المشاهد كيف يتعذب الفنانون خلف الستار، وكيف يقضون ساعات طويلة في بيئة عمل غير آدمية أحياناً من أجل إمتاع الناس. وأشارت عقيلة راتب إلى أن عشق الفن هو المحرك الوحيد الذي يجعل الممثل يتحمل الجوع والعطش والحر والبرد، مؤكدة أن مهنة التمثيل ليست مجرد وجاهة اجتماعية أو ملابس أنيقة، بل هي كفاح مستمر وتحدٍ للظروف الطبيعية والبدنية القاسية.
تطور الاستوديوهات وتأثيرها على الأداء التمثيلي
بالمقارنة مع العصر الحالي، نجد أن نجوم فن زمان كانوا يمتلكون قدرة استثنائية على الصبر. فاليوم، تتوفر كرفانات مجهزة وأجهزة تكييف مركزية في مواقع التصوير، لكن في زمن عقيلة راتب، كان الاعتماد كلياً على قوة التحمل البدنية. ويرى النقاد أن هذه الصعوبات كانت تخلق حالة من الصدق في الأداء؛ فالتعب الذي كان يظهر على وجه الفنان لم يكن تمثيلاً بل كان حقيقة نابعة من المجهود المبذول. وهذا هو السر في أن أدوار تلك الفترة كانت تمتلك روحاً خاصة وقدرة على الوصول لقلوب الناس، لأنها عُمّدت بالعرق والجهد الحقيقي.
عقيلة راتب.. أيقونة الصمود والالتزام المهني
تظل قصة صعود السلالم 30 مرة في عز الصيف شاهدة على الالتزام المهني العالي للفنانة عقيلة راتب. فقد كانت ترفض استخدام "الدوبلير" في مشاهدها، وتصر على أداء كل التفاصيل بنفسها لضمان المصداقية. هذا الإخلاص هو ما جعل منها واحدة من رائدات السينما والمسرح، حيث استطاعت أن تحافظ على مكانتها لعقود طويلة. ورغم الدوار والدوخة التي أصابتها، عادت عقيلة في اليوم التالي لتكمل تصوير المشهد بنجاح، مما جعل المخرج وطاقم العمل يقفون لها احتراماً وتقديراً لصلابتها الفنية التي لم تنكسر أمام جحيم الحرارة.
في ذكريات "جحيم في الاستديو"
تبقى حكايات عقيلة راتب وأبناء جيلها منارات تضيء طريق الأجيال الجديدة من الفنانين. إن صعود السلم 30 مرة في حرارة أغسطس ليس مجرد واقعة عابرة، بل هو رمز للإصرار والتحدي الذي ميز نجوم الزمن الجميل. لقد رحلت عقيلة راتب، ولكن مذكراتها ومقالاتها النادرة تظل تذكرنا بأن الفن رسالة غالية الثمن، وأن النجومية الحقيقية تُبنى بالصبر والجهد والعرق، وليس فقط بالأضواء والشهرة الزائفة. ستبقى هذه القصة محفورة في تاريخ السينما المصرية كواحدة من أغرب وأصعب المواقف التي تعرض لها الممثلون في سبيل "لقطة" فنية مكتملة الأركان.


0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”