![]() |
| الدكتور شوقي علام يتحدث عن التوازن بين الوازع الديني والقانون في الإسلام. |
بناء الوازع الديني والرقابة الذاتية
وقال المفتي، خلال حواره ببرنامج «نظرة» المذاع على قناة صدى البلد مع الإعلامي حمدي رزق، إن من أبرز هذه الإجراءات هي تربية الوازع الديني والضمير الحي لدى المسلم. وأضاف أن الهدف الأسمى هو خلق حالة من الرقابة الذاتية لدى الإنسان، بحيث لا يكون في حاجة إلى رقيب خارجي أو سلطة تراقبه في كل خطوة، بل يكون استشعاره بالمسئولية أمام الله عز وجل هو المحرك الأساسي والمانع له من الوقوع في المحظور. فالمؤمن الحق هو من يتناغم ظاهره مع باطنه، ويكون الضمير الإنساني هو الحارس الأول على تصرفاته في الخفاء والعلن.
تأصيل مفهوم الوقاية خير من العلاج في الفقه
واستفاض فضيلة الدكتور شوقي علام في شرح فلسفة التشريع الإسلامي التي تسبق وقوع الجريمة أو الخطأ، مؤكداً أن الإسلام اهتم بـ "هندسة النفس البشرية" من الداخل قبل وضع العقوبات الزاجرة. وأوضح المفتي أن بناء الضمير ليس مجرد وعظ ديني، بل هو استراتيجية أمنية واجتماعية شاملة؛ فعندما يتربى الفرد على أن الله مطلع عليه، فإنه يصبح مواطناً صالحاً يلتزم بالقانون ليس خوفاً من "أمين الشرطة" أو الكاميرات، بل توقيراً لخالقه. وأشار إلى أن دار الإفتاء المصرية تعمل من خلال فتاواها على ترسيخ مبدأ "الاستقامة الذاتية"، وهو ما يقلل العبء على الأجهزة التنفيذية في الدولة، لأن المجتمع الذي يحركه الوازع الديني والضمير الأخلاقي هو مجتمع يتمتع بـ "حصانة ذاتية" ضد الانحراف والجريمة، مما يسهم في خلق بيئة آمنة ومستقرة للأجيال القادمة.
الشريعة وفطرة الإنسان.. توازن لا نفور فيه
وأشار فضيلة المفتي إلى أن الشريعة الإسلاميَّة تتميز بكونها شريعة واقعية، فقد راعت فطرة الإنسان وأصل خلقته التي جُبل عليها، بلا نفور أو إعراض. وشدد على أن الدين الإسلامي لم يصطدم مع الحاجات الفطرية للبشر، بل وضع لها إطاراً متزناً يحافظ على حياة الإنسان بجوانبها المتنوعة (الروحية، والجسدية، والعقلية). هذا التوازن يجعل من الوازع الفطري ممهداً قوياً للوازع الديني، وهو إدراك عميق ينبع من أعماق النفس ويقوم على اليقين بـ مراقبة الله تعالى في السر والعلن، مما يمنح النفس طمأنينة واستقراراً نفسياً واجتماعياً.
مواكبة الشريعة للمتغيرات الاجتماعية المعاصرة
وفي ذات السياق، شدد المفتي على أن الشريعة الإسلامية ليست نصوصاً جامدة، بل هي منهج حياة يتسم بـ "المرونة والواقعية" القادرة على استيعاب مستجدات العصر الرقمي والتحولات الاجتماعية السريعة. وأوضح أن الوازع الفطري الذي ذكره القرآن الكريم هو "البوصلة" التي توجه الإنسان في عالم مليء بالمغريات والتحديات الفكرية. ففي زمن "السوشيال ميديا" والخصوصية المنفتحة، تبرز الحاجة الماسة إلى "الرقابة الإلهية" كحائط صد ضد الشائعات والفتن الإلكترونية. وأكد الدكتور شوقي علام أن التوازن الذي قدمه الإسلام بين مطالب الجسد وأشواق الروح هو الضمان الوحيد لعدم حدوث "اغتراب نفسي" للمسلم المعاصر، مشيراً إلى أن الإسلام لا يطلب من الإنسان المستحيل، بل يطلب منه التوازن والاعتدال والصدق مع النفس، وهي القيم التي تجعل من الدين طاقة دافعة للبناء والتعمير لا للهدم واليأس.
دور الدولة والقانون في ضبط نظام المجتمع
وشدَّد مفتي الجمهورية على أن الشرع الشريف، برغم تركيزه على الوازع الداخلي، لم يغفل أهمية الضبط الخارجي لنظام المجتمع العام. وأوضح أن الدوافع الطَبْعِيَّة والبواعث الشرعيَّة يجب أن تُحاط بضوابط حازمة، خاصة في حالات ضعف القيم وغياب الوعي لدى البعض. وهنا يأتي دور "السلطة العليا للدولة" في تشريع القوانين وتطبيقها بحزم، وإلزام الأفراد بها ومحاسبة المخالفين بالعقوبات المقررة. فاستقامة أمور المجتمع وتحقيق الاستقرار الاجتماعي لا يتأتيان إلا بتكامل الوازع الديني القلبي مع السلطان الحازم للقانون، لضمان انصلاح حال الأفراد وحماية بنيان المجتمع من التفكك.
علاقة التكامل بين الفتوى والقانون في الدولة الوطنية
وانتقل مفتي الجمهورية لتوضيح نقطة في غاية الحساسية، وهي أن الوازع الديني لا يغني أبداً عن "قوة القانون"، بل كلاهما يسير في خط متوازٍ لحماية كيان الدولة. وأوضح أن من يظن أن التدين وحده يكفي لضبط الشارع دون الحاجة لسلطان القانون فهو مخطئ وفهمه قاصر؛ لأن القانون هو "الترجمة الإجرائية" لمقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال والعرض. وأكد أن احترام القانون هو في الأصل "التزام شرعي" يثاب عليه المسلم، لأن مخالفة القواعد التنظيمية التي تضعها الدولة (مثل قوانين المرور أو البناء) هي مخالفة لمنهج الإسلام الذي أمر بطاعة ولي الأمر فيما ينفع الناس. ومن هنا، فإن دار الإفتاء المصرية تنسق دائماً مع مؤسسات الدولة لضمان أن تظل الفتوى داعمة لاستقرار الوطن، ومحفزة للمواطنين على الالتزام بالنظام العام، مؤكداً أن "هيبة الدولة" هي جزء لا يتجزأ من مقاصد الشرع الشريف.
أهمية التربية الدينية في العصر الحديث
وفي سياق متصل، يرى خبراء التربية أن ما طرحه الدكتور شوقي علام يمثل طوق نجاة في ظل التحديات المعاصرة. فبناء الوازع الأخلاقي لدى الشباب وحثهم على الرقابة الإلهية يحميهم من الانجراف وراء الأفكار المتطرفة أو السلوكيات المنحرفة التي قد لا تصل إليها عين القانون دائماً. إن تفعيل مفهوم الإحسان -وهو أن تعبد الله كأنك تراه- هو أرقى مراتب الرقابة التي تضمن للمجتمع أمانه وسلامه، وهو المسار الذي تنتهجه الدولة المصرية في بناء الوعي الرشيد.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”