![]() |
| فايزة أحمد ومحمد سلطان |
في تاريخ الفن العربي، ثمة قصص حب تتجاوز حدود الغرام التقليدي لتصبح أساطير في الوفاء والإخلاص، ويُعد الثنائي فايزة أحمد ومحمد سلطان واحداً من أبرز وأصدق هذه الثنائيات.
وأوضح المؤرخون الفنيون أن العلاقة بين "كروان الشرق" والموسيقار الشاب آنذاك لم تكن مجرد زواج فني ناجح، بل كانت ملحمة إنسانية مؤثرة بدأت بنظرة إعجاب داخل صالونات الفن، وانتهت بمشهد رحيل درامي أبكى الملايين.
وأشار النقاد إلى أن هذا الثنائي خلّف وراءه عشرات الأعمال الغنائية الخالدة التي لا تزال تسكن وجدان الجمهور العربي، مثل "أؤمر يا قمر" و"قاعد معايا"، والتي كانت مرآة تعكس تفاصيل حبهما الصادق.
كما أكد المقربون من الراحل محمد سلطان أنه ظل يذكر فايزة أحمد في كل أحاديثه حتى وفاته، وأوضحوا أن قصة حبهما بدأت في وقت كانت فيه فايزة تعيش ذروة مجدها، بينما كان سلطان يخطو خطواته الأولى.
وأشار التقرير الفني إلى أن سر استمرار هذه العلاقة رغم العواصف والطلاق كان يكمن في "الاحترام المتبادل" والإيمان بالموهبة، حيث شكلت فايزة لسلطان الملهمة الأولى، بينما كان هو المرفأ الذي استراحت فيه بعد رحلة عناء طويلة في زيجاتها السابقة.
اللقاء الأول في منزل فريد الأطرش
وبدأت حكاية التعارف التاريخية بين المطربة الكبيرة فايزة أحمد والموسيقار محمد سلطان بمحض الصدفة البحتة داخل منزل الموسيقار فريد الأطرش، الذي كان ملتقى لعمالقة الفن.
وأكدت الروايات أن فايزة لفتت انتباهها وسامة وهدوء سلطان، الذي كان حينها عازفاً وملحناً شاباً يبحث عن مكان تحت الشمس.
وأوضح سلطان في لقاءات تليفزيونية سابقة أنه شعر بهيبة كبيرة عند رؤيتها لأول مرة، لكنه لم يتوقع أبداً أن هذه المرأة ستصبح شريكة عمره وأم أولاده وملهمة ألحانه التي ستجوب الآفاق.
وأشار الباحثون في سير العظماء إلى أن اللقاء الأول لم يسفر عن حب فوري، بل كان مجرد إعجاب فني مبدئي.
وأوضحت المصادر أن سلطان كان معجباً بصوت فايزة القوي الذي يجمع بين الشجن والقوة، بينما رأت فايزة في سلطان ملامح فنان مختلف يمتلك رؤية موسيقية عصرية.
وأكد التقرير أن هذه الصدفة كانت التمهيد لنشوء كيمياء فنية نادرة، حيث كان القدر يخبئ لهما لقاءً آخر سيغير مجرى حياتهما المهنية والشخصية إلى الأبد.
مصادفات متكررة في شارع سليمان باشا
وبعد مرور نحو ستة أشهر على لقائهما الأول، جمعتهما الصدفة مجدداً ولكن هذه المرة في مطعم أحد الفنادق الشهيرة بشارع سليمان باشا بوسط القاهرة.
وأوضح محمد سلطان أن اللقاء كان عفوياً، حيث تبادلا الحديث المطول وتناولا الغداء معاً، وفي نهاية الجلسة قامت فايزة بمنحه رقم هاتفها الخاص، وهي خطوة كانت تعني الكثير في ذلك الوقت.
وأشار سلطان إلى أن تلك المكالمات الهاتفية التي تلت اللقاء كانت الجسر الذي عبرت عليه مشاعرهما من مرحلة الزمالة إلى مرحلة الحب العميق.
وأكدت التقارير أن فايزة أحمد، برغم شهرتها الواسعة، كانت تبحث عن الاستقرار النفسي، ووجدت في رزانة محمد سلطان ضالتها المنشودة.
وأوضح النقاد أن سلطان لم يكن يسعى لاستغلال شهرة فايزة، بل كان يرفض في البداية التقرب منها خوفاً من القيل والقال، إلا أن إصرار فايزة وعفويتها ذللا كافة العقبات.
وأشار التقرير إلى أن شوارع وسط القاهرة شهدت بدايات هذا الحب الذي وُلد بعيداً عن صخب الاستديوهات، ونما في هدوء تام قبل أن يعلن عنه رسمياً أمام الجميع.
فايزة أحمد تفتح أبواب الإذاعة لسلطان
ولم تكتفِ فايزة أحمد بالإعجاب الإنساني بمحمد سلطان، بل أكدت أنها آمنت بموهبته كملحن عبقري قبل أي شخص آخر.
وأوضح التاريخ الفني أن فايزة سعت بقوة لدعمه مهنياً، حيث قامت بطلب شخصي من رئيس قسم الموسيقى بالإذاعة المصرية آنذاك لاعتماد محمد سلطان ملحناً رسمياً.
وأشار الخبراء إلى أن هذه الخطوة كانت نقطة التحول الأهم في مسيرة سلطان، حيث انفتحت له أبواب الشهرة والتعاون مع كبار المطربين، لكنه وهب جُل إبداعه لصوت زوجته وحبيبته فايزة.
وأوضحت فايزة في مذكراتها أنها لم تكن "تتفضل" على سلطان، بل كانت تحمي موهبة فذة كان من الممكن أن تضيع لولا هذا الدعم.
وأكد الموسيقيون أن ألحان سلطان لفايزة كانت تتسم بروح جديدة ومختلفة عن الألحان التقليدية، حيث كان يفهم طبقات صوتها بدقة متناهية.
وأشار التقرير إلى أن نجاحهما الفني المشترك كان الرد القوي على كل من شكك في قدرات سلطان التلحينية في بداياته، ليصبح واحداً من أهم ملحني القرن العشرين بفضل إيمان "كروان الشرق" به.
طلب زواج غير متوقع وقرار جريء في عام 1963
وفي موقف إنساني يعكس جرأة وشخصية فايزة أحمد القوية، أكدت الروايات أنها هي من فاجأت محمد سلطان بطلب الزواج منه بشكل مباشر.
وأوضح المقربون أن فايزة تأثرت كثيراً بالشائعات التي لاحقتهما في الصحف، وأرادت وضع حد لكل الأقاويل التي تنال من سمعتهما.
وأشار سلطان إلى أنه لم يتردد للحظة واحدة في الموافقة، حيث كان غارقاً في حبها بالفعل، وتم عقد القران رسمياً في عام 1963، ليعلنا للعالم ولادة أنجح ثنائي عاطفي وفني في تلك الحقبة.
وأوضحت فايزة في تصريحات قديمة أن زواجها من سلطان كان "قرار العمر"، حيث شعرت معه بالأمان الذي افتقدته لسنوات.
وأكد شهود العيان على حفل الزفاف أنه كان بسيطاً وراقياً، وحضره نخبة من نجوم الفن الذين تمنوا لهما حياة سعيدة.
وأشار التقرير إلى أن هذا الزواج كان بمثابة "عقد احتكار فني" غير مكتوب، حيث تفرغ سلطان لتقديم أروع الألحان لزوجته، وأصبحت فايزة لا تغني إلا من كلمات وألحان تشرف عليها أذن سلطان الموسيقية المرهفة.
حياة زوجية مستقرة وإنجاب التوأم عمرو وطارق
واستمرت الحياة الزوجية بين فايزة وسلطان لمدة 17 عاماً، وهي فترة تُعد طويلة جداً في الوسط الفني المليء بالتقلبات وأكدت التقارير أن فايزة أنجبت من محمد سلطان توأمهما "عمرو وطارق"، اللذين كانا قرة عينها ومصدر سعادتها الكبرى.
وأوضح سلطان أن فايزة كانت أماً مثالية، تحرص على رعاية ابنيها بنفسها رغم انشغالها بالحفلات والبروفات، وأشار إلى أن البيت الذي جمعهما كان يملؤه الفن والموسيقى، حيث كان يتم فيه طبخ الألحان الجديدة وسط جو عائلي دافئ.
وأشار النقاد إلى أن وجود الأبناء زاد من ترابط العلاقة، وجعل فايزة تبدع أكثر في أغاني "الأمومة" والأسرة.
وأوضح المقربون أن سلطان كان يقدر تضحيات فايزة لأجل الأسرة، وأكدوا أن تلك السنوات كانت "العصر الذهبي" لكروان الشرق، حيث استقرت حالتها النفسية وانعكس ذلك على جمال وعذوبة صوتها.
وأشار التقرير إلى أن ذكريات عمرو وطارق مع والديهما كانت دائماً مرتبطة بلحظات الإبداع، حيث كان سلطان يعزف على العود وفايزة تدندن بجانبه في مشهد عائلي فني مهيب.
الطلاق الصادم والوفاء الذي لم ينقطع عام 1981
وعلى الرغم من قصة الحب الأسطورية، أكدت المصادر أن عام 1981 شهد انفصالاً صادماً بين فايزة أحمد ومحمد سلطان.
وأوضح سلطان لاحقاً أن الغيرة الفنية أو المشاكل العائلية البسيطة تراكمت وأدت إلى قرار الطلاق، لكنه أشار بوضوح إلى أن الانفصال كان "جسدياً فقط"، أما المشاعر والوفاء فلم تنقطع يوماً.
وأوضح المقربون أن فايزة تأثرت بشدة بعد الطلاق، ودخلت في حالة حزن عميق أثرت على صحتها، بينما ظل سلطان يتابع أخبارها من بعيد بقلب يملؤه الندم والحب.
وأشار التقرير الفني إلى أن فترة الطلاق لم تشهد تراشقاً إعلامياً كما يحدث عادة، بل التزم الطرفان بالصمت التام احتراماً لتاريخهما المشترك ولأبنائهما.
وأكد المحللون أن هذا السلوك يعكس رقي شخصيتهما، حيث ظلت فايزة تتحدث عن سلطان بكل تقدير، وظل هو يدافع عنها في كل المحافل.
وأوضح البيان أن هذا الانفصال كان بمثابة "استراحة محارب"، حيث اكتشف كل منهما أنه لا يستطيع العيش دون الآخر، وهو ما ثبت فعلياً في الاختبار القاسي الذي واجهته فايزة لاحقاً.
العودة في لحظة المرض ونهاية قصة الحب
وعندما علم محمد سلطان بإصابة فايزة أحمد بمرض السرطان اللعين، أكد الجميع أنه لم يتردد للحظة واحدة في العودة إليها فوراً.
وأوضح سلطان أنه أسرع لرد زوجته لعصمته ليقف بجانبها كزوج وممرض وحبيب في محنتها الأخيرة.
وأشار التقرير المؤثر إلى أن فايزة أحمد لفظت أنفاسها الأخيرة وهي بين ذراعي محمد سلطان في سبتمبر 1983، في مشهد يلخص معنى الإخلاص والوفاء الحقيقي الذي يتجاوز الموت.
وأكد سلطان أن تلك اللحظات كانت الأصعب في حياته، حيث فقد نصفه الآخر الذي لم يستطع تعويضه أبداً.
وأوضح الأطباء الذين أشرفوا على حالة فايزة أن وجود سلطان بجانبها في أيامها الأخيرة منحها سلاماً نفسياً كبيراً وخفف عنها آلام المرض.
وأشار التقرير إلى أن جنازة فايزة أحمد كانت من أكثر الجنازات حزناً في تاريخ الفن، وبدا فيها محمد سلطان محطماً تماماً، حيث فقد ملهمته وصديقة دربه.
وأكد البيان الختامي لهذه القصة أن محمد سلطان ظل وفياً لذكراها حتى رحيله في عام 2022، حيث كان يرفض تغيير أي شيء في منزلهما المشترك، وظلت صورها وألحانها تملأ حياته حتى اللحظة الأخيرة، لتظل قصتهما درساً في الحب الذي لا يموت.

0 تعليقات
“شاركنا رأيك!”