🌍 Translate

كود اعلان

أمين الفتوى بدار الإفتاء: العبادة خوفًا من الله لا تُحرم صاحبها الثواب.. والخوف دافع نبيل إلى الطاعة

الدكتور علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، يتحدث عن حكم الصلاة خوفاً من الله في برنامج "فتاوى الناس" على قناة الناس.
الدكتور علي فخر

في رحلة الإيمان التي يخوضها المسلم، كثيراً ما تقف "الوساوس" حائلاً بين القلب وصفاء العبادة، لعل أبرزها ذلك السؤال الذي يطارد البعض: "هل تُقبل صلاتي إذا كانت دافعها الخوف من العقاب فقط؟". هذا التساؤل الذي طرحته إحدى المتابعات من دمياط، فتح الباب أمام الدكتور علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، ليضع النقاط على الحروف في حلقة استثنائية من برنامج "فتاوى الناس" عام 2025. فخر أكد بكلمات تفيض بالرحمة أن الخوف من الله ليس "نقيصة" بل هو "مقام" من مقامات العبودية الرفيعة التي يُثاب عليها العبد ثواباً جزيلاً. فكيف يتحول الخوف من رهبة العقاب إلى رغبة في القرب؟ ولماذا اعتبر أمين الفتوى أن "أرحنا بها يا بلال" هي قمة الترقي من الخوف إلى الحب؟ رحلة إيمانية في أعماق النفس البشرية، نستكشف فيها كيف يعيش المؤمن بين جناحي "الخوف والرجاء" ليصل إلى سكينة الوقوف بين يدي الله في زمن الماديات.

الخوف دافع نبيل وثوابه عظيم

أوضح الدكتور علي فخر أن العبادة بدافع الخوف من الله لا تحرم صاحبها الأجر بأي حال من الأحوال. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الخوف هو "دافع نبيل" يعكس يقظة القلب وتعظيمه للخالق سبحانه وتعالى. فالعبد الذي يصلي خوفاً من تقصيره أو خشية من جلال ربه، هو عبد حي القلب، استشعر عظمة الأمانة وعظمة من يقف أمامه. هذا النوع من الخوف يُعد من أعمال القلوب الصالحة، والله سبحانه وتعالى يُثيب المخلصين سواء أقبلوا عليه خوفاً من ناره أو طمعاً في جنته، فالمهم هو الإقبال والإخلاص في النية، وهو ما يطرد الوساوس التي تحاول إقناع المؤمن بأن عبادته "ميكانيكية" أو خالية من الروح.

الترقي من مرحلة الخوف إلى الحب

رغم مشروعية عبادة الخوف، إلا أن الدكتور فخر دعا المسلم إلى ضرورة "الترقي" في معارج القبول. الهدف الأسمى ليس البقاء في دائرة الرهبة، بل الانتقال التدريجي إلى "عبادة الحب". فالمحب يعبد الله لأنه يشتاق إليه، ولأنه يرى في الصلاة راحة لا تعوضها لذائذ الدنيا. هذا الترقي يجعل الطاعة يسيرة ومحببة للنفس، فلا يشعر المصلي بأنه يؤدي "حِملاً" ثقيلاً، بل يجد في الركوع والسجود ملاذه الآمن. المسلم يبدأ بالخوف ليحمي نفسه من المعصية، ثم ينمو بالرجاء ليطمع في الرحمة، ثم يستقر بالحب ليكون من المقربين الذين يعبدون الله لذاته ولجماله وجلاله.

أرحنا بها يا بلال وسر السكينة

استشهد أمين الفتوى بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا بلال رضي الله عنه: "أرحنا بها يا بلال". هذه الجملة النبوية العظيمة تختصر فلسفة الصلاة في الإسلام؛ فهي ليست تكليفاً يشق على النفس، بل هي "واحة" يستريح فيها المؤمن من عناء الحياة وتصارع الماديات. في عام 2025، حيث تزداد ضغوط الحياة وتتسارع وتيرتها، تصبح الصلاة هي الملاذ الوحيد لاستعادة التوازن الروحي. الراحة الحقيقية ليست في كثرة النوم أو الانغماس في المتاع الزائل، بل في تلك السكينة التي تغشى الروح حين يقف العبد بين يدي ربه، مناجياً وساجداً، فيجد برداً وسلاماً يغسل هموم صدره ويزيل وساوس قلبه.

معادلة الخوف والرجاء في الإيمان

بيّن الدكتور علي فخر أن المؤمن يسير إلى الله بجناحين: الخوف والرجاء. الخوف يمنعه من الانزلاق في المعاصي، والرجاء يمنعه من اليأس من روح الله. هذه "المعادلة الروحية" هي التي تجعل الإيمان نقياً ومتوازناً. فلو غلب الخوف وحده لأدى إلى القنوط، ولو غلب الرجاء وحده لأدى إلى التجرؤ على حدود الله. لذا، فإن من يصلي "خوفاً" هو في الحقيقة يمارس نصف المعادلة، وعليه أن يكملها بـ "رجاء" القبول وحسن الظن بالله. هذا التوازن هو ما يجعل العبادة أكثر صدقاً، ويحول الرهبة من "رعب" إلى "خشية" تملأ القلب وقاراً وهيبة ومحبة في آن واحد.

الصلاة خير من النوم وبقاء الروح

في حديثه عن أذان الفجر وقول سيدنا بلال: "الصلاة خير من النوم"، أشار الدكتور فخر إلى أن الصلاة تمثل راحة "أعمق وأبقى" من راحة البدن بالنوم. النوم هو راحة الجسد الفاني، بينما الصلاة هي غذاء الروح الباقية. المؤمن الذي يستيقظ من نومه ليقف بين يدي الله، يدرك يقيناً أن دقائق المناجاة تعوضه عن ساعات من النوم، لأنها تمده بطاقة نورانية تكفيه لمواجهة تحديات يومه. هذه الرؤية الروحية تحول العبادة من "واجب ثقيل" إلى "احتياج فطري"، حيث يبحث العبد عن ربه ليشكو إليه ضعفه ويطلب منه العون والمثوبة، فيجد في القرب من الله غنىً لا يفتقر بعده أبداً.

الخوف الصادق بداية طريق التقوى

أكد أمين الفتوى أن الخوف الصادق من الله هو العلامة الأولى على حياة القلب. فالقلب القاسي لا يخاف ولا يخشع، أما القلب الذي ينبض بالإيمان فيتأثر بعظمة المولى. الخوف هو الذي يدفع العبد للبحث عن مرضاة الله، وهو الذي يجعله يتقن عبادته ويتحرى الإخلاص فيها. لذا، اعتبر الدكتور فخر أن "وفاء من دمياط" وغيرها ممن يشعرون بهذا الخوف هم في نعمة كبرى، لأن هذا الشعور هو المحرك الذي سيقودهم في النهاية إلى مراتب "الإحسان"؛ وهي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الخوف هنا هو "حارس بوابة التقوى" الذي يضمن للعبد البقاء على الصراط المستقيم.

أهمية الحب في زيادة الطاعة

وأكد الدكتور فخر حديثه بتأصيل فكرة أن زيادة الحب تؤدي حتماً إلى زيادة الطاعة والارتقاء في مراتب القرب. العبد المحب لا يحتاج لمجهود كبير لترك المعصية، لأن حبه لله يمنعه من إغضاب محبوبه. ولهذا كان السلف الصالح يقولون: "نحن في لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف". هذه اللذة هي "لذة الحب"، التي تجعل الركعة الواحدة أثمن من الدنيا وما فيها. دعاء أمين الفتوى بأن يرفعنا الله من "عبادة الخوف" إلى "عبادة الحب" هو دعوة لكل مسلم ليعيد اكتشاف علاقته بربه، ليعبده شوقاً إليه لا رهبة من عقابه، وليجعل من صلاته معراجاً يومياً نحو سدرة المنتهى من القبول والرضوان.

الصلاة معراج القلوب

فإن رسالة الدكتور علي فخر لعام 2025 هي دعوة للتصالح مع النفس ونبذ الوساوس. العبادة خوفاً من الله هي مقبولة ومثاب عليها، وهي الخطوة الأولى في سلم الكمال البشري. المهم هو ألا يتوقف العبد عند هذا الحد، بل يطمح دائماً لأن تكون صلاته "راحة لروحه" و"نوراً لقلبه". إن الخوف والرجاء والحب هي خيوط نسيج الإيمان المتين، والمسلم الذي يجمع بينها يعيش في جنة معجلة قبل جنة الآخرة. نسأل الله أن يملأ قلوبنا بمحبته، وأن يجعل الصلاة قرة أعيننا، وأن يرفعنا في مراتب القرب حتى نعبده كأننا نراه، فتطمئن نفوسنا وتصفو أرواحنا في رحاب جلاله وجماله.

إرسال تعليق

0 تعليقات