أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

اقتصاد . هل يكسر برميل النفط حاجز الـ 100 دولار وسط صراع القوى العظمى؟

أحمد يعقوب
أحمد يعقوب

في خضم الأمواج المتلاطمة التي تضرب النظام المالي العالمي، يبرز مصطلح "عدم اليقين" كأكثر الكلمات تردداً في أروقة البورصات ومراكز الأبحاث الاقتصادية. 

وقد قدم الكاتب الصحفي أحمد يعقوب، الباحث المتخصص في الشأن الاقتصادي، قراءة نقدية وتحليلية عميقة عبر شاشة إكسترا نيوز، موضحاً كيف تحولت الضبابية السياسية إلى "سم قاتل" في عروق الاستثمار العالمي. 

وأكد يعقوب أن حالة "عدم اليقين" (Uncertainty) ليست مجرد شعور نفسي لدى المستثمرين، بل هي واقع ملموس يترجم إلى هروب مليارات الدولارات من المشاريع التنموية نحو الأوعية الادخارية الجامدة، مما يعطل مسيرة الاقتصاد العالمي نحو التعافي.

سيكولوجية المستثمر وهروب الأموال إلى الملاذات الآمنة

شرح يعقوب في تحليله كيف يتفاعل المال مع أخبار الصراعات العسكرية والمناوشات في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز. فبمجرد تصاعد نبرة التهديد، تسود حالة من الرعب تدفع المستثمرين للتخلص الفوري من الأصول "عالية المخاطر" مثل أسواق الأسهم وسندات الأسواق الناشئة. 

هذا السلوك الجماعي يؤدي إلى نزيف حاد في السيولة العالمية واتجاهها نحو ما يسمى بـ الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب والدولار.

وأشار إلى أن الذهب لم يعد مجرد زينة، بل تحول إلى "مخزن للقيمة" يحتمي به كبار المستثمرين والبنوك المركزية من تقلبات العملات. هذا الهروب يعني ببساطة تجمد رؤوس الأموال التي كان من المفترض أن تمول مصانع ومشاريع بنية تحتية، مما يؤدي إلى انكماش في سوق الوظائف العالمي وتراجع معدلات الاستهلاك، وهي حلقة مفرغة يدفع ثمنها المواطن العادي في شكل ركود اقتصادي ملموس.

انهيار تدفقات "الاستثمار الأجنبي المباشر" والأرقام الصادمة

استعرض أحمد يعقوب لغة الأرقام ليوضح حجم الكارثة؛ ففي العام الماضي، ورغم كل التحديات، استطاع العالم جذب تدفقات من الاستثمار الأجنبي المباشر (Global FDI) بلغت قرابة 1.6 تريليون دولار، وهو رقم كان يعكس تفاؤلاً حذراً بنمو قدره 19%. لكن مع اشتعال الجبهات الجيوسياسية الحالية، يتوقع يعقوب تراجعاً حاداً ومؤلماً في هذه الأرقام خلال العام الجاري.

فالمستثمر الأجنبي يبحث أولاً عن "الاستقرار القانوني والأمني"، وعندما يرى طبول الحرب تقرع بالقرب من ممرات الطاقة العالمية، فإنه يفضل الانتظار أو سحب استثماراته تماماً. 

هذا التراجع يحرم الاقتصادات الناشئة من التكنولوجيا والخبرات والسيولة الأجنبية اللازمة لاستقرار موازين مدفوعاتها، مما يزيد من الضغوط على العملات المحلية ويؤدي إلى انخفاض قيمتها الشرائية بشكل متسارع.

تسييس الاقتصاد: العقوبات كـ "كروت ضغط" في الحرب الباردة الجديدة

تطرق التحليل إلى زاوية بالغة الأهمية وهي استخدام الولايات المتحدة لـ العقوبات الاقتصادية كأدوات سياسية حادة. وأوضح يعقوب أن فرض عقوبات أمريكية على أفراد وكيانات بتهمة مساعدة أطراف في الشرق الأوسط، واستهداف شركات في الصين، هو جزء من استراتيجية "اللعب بالكروت" في الحرب التجارية الكبرى بين واشنطن وبكين.

هذه العقوبات، رغم أنها تهدف لتحقيق مكاسب سياسية، إلا أنها تتسبب في "تفتيت" العولمة الاقتصادية وزيادة كلفة التجارة البينية. فالصين ليست مجرد دولة، بل هي مصنع العالم، وأي ضغوط عليها تنعكس فوراً في شكل ارتفاع في أسعار السلع الإلكترونية والكهربائية والمواد الخام، مما يغذي موجة التضخم العالمية ويزيد من أعباء المعيشة على الشعوب التي لا ناقة لها ولا جمل في هذه الصراعات السياسية.

برميل البترول فوق الـ 100 دولار: الرصاصة الأخيرة في صدر النمو

حذر أحمد يعقوب من سيناريو بقاء سعر برميل البترول فوق مستوى الـ 100 دولار كواقع مفروض. هذا الارتفاع يمثل "الرصاصة الأخيرة" التي قد تقتل فرص التعافي الاقتصادي؛ فالبترول هو عصب النقل والصناعة والزراعة. وعندما يشتعل سعره، فإن كل شي في حياتنا اليومية يرتفع ثمنه بالتبعية.

وأوضح أن هذا الارتفاع يضع موازنات الدول في مأزق تاريخي؛ فإما أن ترفع الحكومات أسعار الوقود والكهرباء على مواطنيها، مما يؤدي إلى سخط اجتماعي وموجات غلاء غير محتملة، أو أن تتحمل الدولة فرق السعر العالمي، مما يرفع العجز المالي إلى مستويات غير آمنة ويستنزف الاحتياطيات النقدية. 

هذا "التضخم المستورد" هو التحدي الأكبر الذي يواجه البنوك المركزية حالياً، والتي تجد نفسها مضطرة لرفع أسعار الفائدة بشكل مستمر، مما يزيد من كلفة الاقتراض ويعيق حركة الاستثمار المحلي.

السلام كضرورة اقتصادية قصوى لإنقاذ الشعوب

اختتم الباحث الاقتصادي أحمد يعقوب تحليله برسالة قوية: "الاقتصاد لا ينمو في بيئة من الصراعات". وأكد أن المخرج الوحيد هو اللجوء إلى التهدئة الدائمة واحلال الأمن والسلام محل المناوشات العسكرية.

وشدد على أن الاقتصادات الناشئة هي الأكثر عرضة للضرر، وأن استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" يستنزف ثروات الأمم ويحطم آمال الشباب في مستقبل أفضل. إن العالم اليوم يحتاج إلى "عقد اجتماعي واقتصادي دولي جديد" يحترم استقلال الممرات الملاحية ويجرد لقمة العيش والطاقة من صراعات النفوذ، لضمان استقرار الحياة الكريمة لكل إنسان على وجه الأرض، مؤكداً أن الجميع في مركب واحد، وأن غرق هذا المركب لن ينجو منه حتى القوى العظمى.

تعليقات