أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

ناقوس خطر يهدد الملايين.. كيف تعصف اضطرابات مضيق هرمز بمنظومة الأمن الغذائي العالمي؟

✍️ تحرير: محمد محمود

الباحث الاقتصادي أحمد يعقوب، المتخصص في الشأن الاقتصادي
أحمد يعقوب

تتصدر أزمة الأمن الغذائي المشهد العالمي كواحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وتعقيداً، خاصة مع تزايد حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً حول الممرات الملاحية الحيوية التي تمثل "أوعية دموية" للاقتصاد الدولي. 

وفي هذا السياق، قدم الكاتب الصحفي والباحث الاقتصادي أحمد يعقوب، المتخصص في الشأن الاقتصادي، رؤية تحليلية شاملة ومعمقة عبر شاشة إكسترا نيوز، سلط فيها الضوء على التحديات الوجودية التي تواجه الاقتصاد العالمي جراء اضطراب الملاحة في مضيق هرمز

وأوضح يعقوب أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو نقص مؤقت في السلع، بل هو تهديد مباشر لاستقرار الشعوب وبقائها، خاصة في ظل حالة "عدم اليقين" التي تسيطر على صناع القرار والمستثمرين، مما يؤدي إلى ارتباك في تدفقات الغذاء والطاقة.

 مفهوم سلاسل التوريد والانهيار الصامت للأنظمة الملاحية

بدأ أحمد يعقوب حديثه بتشريح دقيق لمفهوم سلاسل التوريد، واصفاً إياها بأنها العمود الفقري والناقل العصبي للاقتصاد العالمي؛ فهي المسؤولة عن نقل السلع والمواد الخام من مراكز الإنتاج الكبرى (مثل المصانع في الصين أو الحقول في أوروبا وأمريكا) إلى الأسواق الاستهلاكية في مختلف دول العالم. وأكد أن تعطل هذه السلاسل في نقاط اختناق مثل مضيق هرمز يعني "الشلل التام" لحركة التجارة الدولية.

وأشار يعقوب إلى أن العالم يعيش في دوامة من الاضطرابات المستمرة منذ نحو ست سنوات، حيث لم يلتقط الاقتصاد العالمي أنفاسه منذ اندلاع جائحة كورونا التي تسببت في إغلاقات عالمية، وصولاً إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الصراعات العسكرية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط. 

هذه التلاحقات جعلت خريطة العالم الاقتصادية في حالة إنهاك دائم، وأفقدت الدول قدرتها على بناء مخزونات استراتيجية كافية لمواجهة الصدمات المفاجئة، مما جعل العالم عرضة لأي اهتزاز في الممرات الملاحية.

سيناريوهات التضخم وارتفاع فاتورة الشحن والإنتاج

انتقل الباحث الاقتصادي لتحليل مسببات الغلاء، موضحاً أن تكاليف النقل البحري شهدت قفزات غير مسبوقة نتيجة زيادة المخاطر الأمنية. 

هذه الزيادة لا تقتصر فقط على أسعار الوقود المستخدم في الشحن، بل تشمل أيضاً "علاوة المخاطر" ورسوم التأمين على السفن والحاويات التي تضاعفت عدة مرات عند المرور بمناطق النزاع.

وأوضح يعقوب أن هذه التكاليف لا تتبخر، بل يتم تحميلها مباشرة على سعر السلعة النهائي الذي يدفعه المستهلك البسيط. 

والأخطر في هذا السياق هو تأثر توريد الأسمدة الزراعية الأساسية ومستلزمات الإنتاج. فالعالم يعتمد على سلاسل إمداد معقدة للأسمدة، وأي نقص أو تأخير في وصول هذه المدخلات للقطاع الزراعي العالمي يعني بالتبعية انخفاضاً حاداً في كمية المحاصيل وجودتها مستقبلاً. 

هذا التناقص في العرض مقابل ثبات أو زيادة الطلب سيؤدي إلى انفجار في أسعار المواد الغذائية، وهي موجة تضخمية من المتوقع أن تستمر لشهور طويلة حتى لو توقفت الصراعات العسكرية في اللحظة الراهنة، نظراً لطبيعة الدورات الزراعية التي تستغرق وقتاً طويلاً للتعافي.

تحذيرات صندوق النقد الدولي وشبح "المجاعة الحديثة"

واستناداً إلى تقارير صندوق النقد الدولي والمنظمات الأممية المتخصصة مثل "الفاو"، حذر يعقوب من انعدام الأمن الغذائي (Food Security) الذي بات يهدد عشرات الملايين من البشر حول العالم. 

وأوضح أن الاقتصادات الهشة والدول الناشئة هي الضحية الأولى لهذه الصراعات؛ فالقدرة الشرائية لهذه الدول تتآكل بسبب ضعف العملة المحلية أمام الدولار، مما يجعل فاتورة استيراد الأساسيات مثل القمح والذرة والزيوت عبئاً مالياً يفوق قدرة موازناتها العامة.

وأشار إلى أن انعدام الأمن الغذائي لا يعني فقط نقص الطعام، بل يعني "عدم القدرة على الوصول إليه بأسعار عادلة"، مما يخلق فجوة طبقية واجتماعية واسعة. 

هذا الوضع يضع ضغوطاً سياسية وأمنية على الحكومات، حيث تصبح لقمة العيش هي المطلب الأول والأساسي، وسط عالم يعاني من تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات الدين العام.

التحليل الفني لترشيد الإنفاق وتمكين القطاع الخاص

وفي الجزء الأهم من تحليله، وضع أحمد يعقوب خارطة طريق تقنية للحكومات للخروج من هذا النفق. 

وأكد أن الخطوة الأولى والضرورية هي ترشيد الإنفاق الحكومي غير الضروري، وإعادة توجيه الموارد نحو شبكات الحماية الاجتماعية والقطاعات الإنتاجية. 

وأكد أن الحل الجذري لا يكمن في المسكنات المالية، بل في تمكين القطاع الخاص بشكل حقيقي، ومنحه الحوافز لزيادة الإنتاج المحلي لتقليل فاتورة الاستيراد.

وشدد على أن زيادة الإنتاجية في قطاعي الزراعة والصناعة أصبحت مسألة أمن قومي وليست مجرد رفاهية اقتصادية. 

ودعا المؤسسات الدولية والمانحين للتحرك الفوري لتقديم تسهيلات ائتمانية بفوائد منخفضة للدول المستوردة للغذاء، مؤكداً أن الاستقرار العالمي هو كل لا يتجزأ، وأن اضطراب الأمن الغذائي في أي منطقة سيؤدي بالضرورة إلى موجات هجرة غير شرعية واضطرابات أمنية ستؤثر على العالم المتقدم قبل النامي.

التعاون الدولي كطوق نجاة

اختتم أحمد يعقوب رؤيته بالتأكيد على أن الأزمة الراهنة تتطلب "دبلوماسية اقتصادية" نشطة. فالتعاون تحت المظلات الأممية والمؤسسات المالية الدولية هو السبيل الوحيد لتخفيف حدة الآثار التضخمية الكارثية. 

وأكد أن العالم يحتاج إلى استعادة الثقة في النظام التجاري المتعدد الأطراف، وتأمين الممرات الملاحية الدولية بعيداً عن الصراعات السياسية، لضمان وصول الغذاء لكل طفل ومواطن في مختلف بقاع الأرض، مشدداً على أن "سلاح الغذاء" هو أخطر الأسلحة التي قد يدفع الجميع ثمن استخدامها في الصراعات الجيوسياسية.

تعليقات